خلف العضلات المفتولة، والصورة التي صنعت منه أحد أشهر أبطال أفلام الحركة، كان سيلفستر ستالون يخوض معركة مختلفة بعيداً عن الكاميرات. فالممثل الذي جسّد شخصيتي «روكي بالبوا» و«جون رامبو»، البطلين اللذين لا يهزمان، كشف عن جانب لم يره معظم المعجبين.
فهوس ستالون بالحفاظ على جسد مثالي، وبنيته العضلية، ونسبة منخفضة من الدهون من أجل هذه الأدوار البطولية، تجاوز حدود التدريب، والانضباط، ليتحول إلى علاقة مضطربة مع الطعام، وصورته عن جسده انتهت بالشره المرضي.
والشره المرضي (Bulimia) هو اضطراب في الأكل يتمثل عادةً في نوبات متكررة من تناول كميات كبيرة من الطعام مع الشعور بفقدان السيطرة، يعقبها سلوكيات للتخلص من السعرات، أو منع زيادة الوزن، مثل التقيؤ المتعمد، أو الإفراط في ممارسة الرياضة، أو الصيام، أو استخدام الملينات.
ستالون: هوسي بالحفاظ على لياقتي تحول إلى عبادة للجسد
وخلال حديثه مع «نيويورك تايمز»، وصف ستالون كيف تحول تركيزه على الحفاظ على جسم نحيف وعضلي إلى هوس.
وقال: «أصبحت مهووساً للغاية بالحفاظ على ذلك المستوى من اللياقة»، واصفاً ما مر به بأنه «نوع من عبادة الجسد المهووسة».
ومع مرور الوقت، أدى هذا الهوس إلى إصابته باضطراب في الأكل.
وأوضح ستالون: «وصل الأمر إلى مرحلة أصبحت فيها أعاني من الشره المرضي».
اضطرابات الأكل لا تصيب النساء والفتيات فقط
تكتسب صراحة ستالون أهمية خاصة، لأنها تتحدى افتراضاً شائعاً حول الأشخاص الذين يمكن أن يصابوا باضطرابات الأكل.
وغالباً ما يُنظر إلى اضطرابات الأكل على أنها حالات تؤثر في الفتيات والنساء بشكل أساسي. وقد أسهم هذا الافتراض في تشكيل عقود من الأبحاث، كما أدى إلى تمثيل الرجال بشكل أقل في الدراسات العلمية المتعلقة بهذه الاضطرابات.
لكن دراسات أحدث بدأت تقدم صورة أكثر شمولاً، وقد تكون أرقامها مفاجئة.
أكثر من رجل من كل 5
وجدت دراسة أجريت عام 2025 وشملت 1553 فتى ورجلاً في كندا والولايات المتحدة أن 21.3 في المائة منهم استوفوا معايير تشخيص محتمل لاضطراب في الأكل، أي أكثر من شخص واحد من كل خمسة مشاركين.
وكان الشره المرضي العصبي أكثر اضطرابات الأكل شيوعاً بين هذه المجموعة، إذ ظهر لدى نحو 5.8 في المائة من المشاركين.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ضوء ما كشفه ستالون عن تجربته الشخصية.
وأشار الباحثون في الدراسة إلى مشكلة قديمة تتمثل في أن اضطرابات الأكل فُهمت تاريخياً على أنها «اضطرابات نسائية»، وهو ما أثر في الوعي العام، وفي مسار البحث العلمي حولها.
لكن إذا كانت اضطرابات الأكل تؤثر في هذه النسبة من الرجال، فلماذا نادراً ما نسمع عن معاناتهم معها؟
الوصمة والضغط الاجتماعي قد يدفعان الرجال إلى إخفاء معاناتهم
تكمن إحدى الإجابات الرئيسة في الوصمة الاجتماعية، والضغط المرتبط بضرورة الظهور بمظهر قوي.
وتناولت مراجعة بحثية نُشرت عام 2022 نتائج عدد من الدراسات النوعية التي بحثت في تجربة الرجال الذين يعيشون مع اضطرابات الأكل.
وظهر موضوع متكرر في هذه الدراسات، إذ شعر كثير من الرجال بأنهم يعانون مما ينظر إليه المجتمع على أنه «مرض نسائي». وجعل هذا التناقض تجربتهم أكثر صعوبة في فهمها، والتعبير عنها، وطلب المساعدة بشأنها.
ووصف الباحثون كيف دفعت مشاعر الخجل والخوف من الأحكام المسبقة بعض الرجال إلى إخفاء معاناتهم. كما وقفت المعايير المرتبطة بالصورة التقليدية للرجولة، مثل التوقع من الرجل أن «يتحمل»، وأن يبقى قوياً، في طريق سعيهم إلى العلاج، وفقاً للمراجعة.
وبحسب الدراسة، لم يكن بعض الرجال متأكدين أصلاً من إمكانية إصابة الرجل باضطراب في الأكل.
وأشار مؤلفو المراجعة إلى أنه عندما لا يُتوقع من الرجال أن يقلقوا بشأن الطعام، أو صورة أجسادهم، أو مشاعرهم، فقد ينتهي بهم الأمر إلى المعاناة في صمت، وأحياناً من دون إدراك ما يحدث لهم.
وعندما لا يتوقع الأشخاص المحيطون بهم، بمن في ذلك بعض المتخصصين في الرعاية الصحية، إصابة الرجال باضطرابات الأكل، فقد تمر الحالة من دون ملاحظة، أو يجري تشخيصها بشكل خاطئ.
اعتراف ستالون قد يساعد في كسر الصورة النمطية
وهنا يمكن لشخصية عامة مثل ستالون أن تؤدي دوراً مهماً.
فعندما يعترف شخص يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره نموذجاً للقوة الجسدية بأنه عانى من الشره المرضي، فإن ذلك قد يساهم في تقويض الفكرة القائلة إن اضطرابات الأكل تصيب أشخاصاً من فئات معينة فقط.
وتكتسب رؤية هذه التجارب علناً أهمية خاصة، إذ تشير الأبحاث إلى أن أحد أكبر العوائق التي يواجهها الرجال يتمثل ببساطة في عدم رؤيتهم لأنفسهم ضمن الحديث الدائر حول اضطرابات الأكل.
وقد تساعد القصص التي تكسر هذه الصورة النمطية شخصاً ما على التعرف على معاناته، والشعور بأنه ليس وحيداً فيها.
اضطرابات الأكل حالات خطيرة وقابلة للعلاج
لا يعني ذلك أن التعافي عملية بسيطة، كما أن مقابلة واحدة لن تمحو سنوات من الصمت المحيط باضطرابات الأكل، والصحة النفسية لدى الرجال، لكنها تمثل خطوة مهمة في كسر هذه الوصمة.
واضطرابات الأكل حالات خطيرة، لكنها قابلة للعلاج. ومن يعاني من اضطراب في الأكل، أو يعرف شخصاً يواجه هذه المشكلة، ينبغي أن يعرف أن المساعدة متاحة، وأن طلب الدعم لا يرتبط بجنس الشخص، أو بالصورة التي يعتقد أنه «يفترض» أن يكون عليها.
ويمكن طلب الدعم من طبيب، أو معالج نفسي، أو شخص موثوق به. كما يمكن الاستعانة بالجهات المتخصصة في اضطرابات الأكل للوصول إلى مصادر المساعدة المناسبة.