في ظهيرة أحد الأيام الماضية، كان عدد من العلماء يتحرك بنشاط ودأب داخل مختبر في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس، حيث عكفوا على إجراء سلسلة من التجارب. وكانت تجهيزات المختبر اعتيادية: خزانة تهوية مخصصة للتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، وحاضنة لزراعة الخلايا. كما بدت إجراءات العمل مطابقة لما يجري في مختبرات علم الأحياء في كل مكان.

ذكاء اصطناعي للمراقبة

إلا أنه مع إمعان النظر، ظهرت بعض الأمور الغريبة؛ إذ كان معظم العلماء يضعون كاميرات صغيرة مثبتة على عصابات للرأس إلى جانب المعاطف والقفازات الواقية التي يرتدونها. وتولت ثلاث كاميرات إضافية مراقبة كل محطة عمل من أعلى، حيث كانت مثبتة على رف قريب.

أما الغريب واللافت فكان غياب دفاتر التسجيلات المختبرية. وبدلاً منها، كان العلماء يصفون عملهم بصوت خافت، وهم يتمتمون في ميكروفونات. وفي أحد أطراف المختبر، تجمع فريق لمراجعة تسجيلات مصورة للتجارب.

في واقع الأمر، كان هذا هو بحث حقيقي يجري داخل المختبر، فمن خلال منظومة من أجهزة الاستشعار والبرمجيات، صُممت لتسجيل ما يحدث في أثناء إجراء التجارب، بدقة تصل إلى مستوى الملّي ثانية، كان العلماء يدربون نماذج للذكاء الاصطناعي على التعرف إلى كل أداة يستخدمها العلماء، وكل حركة أو إجراء يتخذونه.

والمثير هنا أن الذكاء الاصطناعي ألًف سرداً خاصاً به، وصف من خلاله كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور بجمل مثل: «يعيد المشغّل تعليق الراسب، بتحريكه إلى أعلى وأسفل 10 مرات باستخدام الماصّة».

تعود هذه التكنولوجيا إلى شركة ناشئة تُدعى «ترانسفير»، أسست حديثاً، بعدما جمعت تمويلاً أولياً بقيمة 25 مليون دولار. وهي تسعى إلى معالجة تحدٍّ قديم قِدم البحث العلمي نفسه: رصد العوامل الخفية التي تجعل بعض التجارب تنجح، بينما تفشل أخرى.

إن الفشل قد يتخذ صوراً كثيرة. وعلى سبيل المثال، قد يقضي الباحثون شهوراً في إعداد سلالة من الخلايا المعدلة هندسياً، لتموت الخلايا فجأة على نحو غامض. وقد ينجح اختبار حكومي مثلاً للكشف عن فيروس «كورونا» في مختبر ما، ثم يفشل في اكتشاف الفيروس، عندما يستخدمه باحثون في مختبرات أخرى.

ويمكن أن تنجح شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية في ابتكار دواء جديد واعد، لكن ما إن تسلّم بروتوكول إنتاجه إلى فريق يتولى تصنيعه على نطاق واسع، تختفي فاعلية الدواء فجأة.

في هذا الصدد، قالت آنا ماري فاغنر، المؤسسة المشاركة في شركة «ترانسفير»: «إنها مشكلة مؤلمة للغاية. يبدأ تبادل الاتهامات من هذا الطرف إلى ذاك: هل كان البروتوكول الذي اتبعته خاطئاً؟ أم أنك ارتكبت خطأ ما؟ هذه أخطاء باهظة التكلفة للغاية، من حيث الوقت والمال وحياة البشر».

أيدي العلماء «السحرية»

العجيب أن النجاح لا يقل غموضاً أحياناً عن الفشل، فهناك باحثون يحالفهم النجاح باستمرار في تجاربهم، فيثيرون إعجاب زملائهم وحيرتهم في آن واحد. بل إن العلماء لديهم مصطلح خاص لوصف هذه الموهبة: «الأيدي السحرية». وقد تبدو هذه الفكرة مثيرة للدهشة لمن لا يقضون حياتهم داخل المختبرات؛ فالعلم، في نهاية المطاف، لا يُفترض أن يكون ضرباً من ضروب السحر.

بوجه عام، عندما يجري العلماء تجاربهم، فإنهم يحرصون على تسجيل نتائجها بدقة، سواء في دفاتر المختبر أو لاحقاً في أوراق بحثية منشورة. ويستعين باحثون آخرون بهذه المعلومات لمحاولة تكرار التجربة.

ومع ذلك، فإنه بمرور الوقت كل عالم يكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن المعرفة الأساسية التي يحتاج إليها ليست بالضرورة مدونة في أي مكان. وفي هذا السياق، شرح جوناثان ليفني، كبير الباحثين لدى «معهد برود»، الذي تعاون مع شركة «ترانسفير»: «البروتوكول أشبه بالوصفة. يمكنك أن تعطي شخصاً وصفة، لكن هذا لا يعني أنها ستجعله طاهياً ماهراً».

ومثلما الحال مع الطهاة المتدربين، يقضي العلماء سنوات في التعلم والتدريب، ويلازمون الخبراء، ويطرحون الأسئلة، ويجربون بأنفسهم مختلف الإجراءات والأساليب.

ولكي تنجح تجربة ما، قد يضطر العالم إلى اتخاذ آلاف القرارات الصغيرة على مدار اليوم. مثلاً، إذا كان أحد الأنابيب يحتاج إلى الرجّ، فهل يُترك ليدور على منصة اهتزاز، أم يكفي تحريكه ذهاباً وإياباً باليد؟

وأضاف ليفني: «أحياناً لا يعرف الأشخاص البارعون حقاً سر براعتهم؛ فهم لا يتذكرون المرات العشرين، التي جربوا فيها طرقاً أخرى وفشلت».

في ستينات القرن الماضي، أطلق الكيميائي والفيلسوف المجري مايكل بولاني، اسماً على هذه الخبرة الغامضة: «المعرفة الضمنية». وكان يردد دوماً: «نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». وفيما بينهم، بات العلماء يتفقون عموماً مع بولاني على أن المعرفة الضمنية، تشكل جزءاً أساسياً من البحث العلمي، لكنها قد تعرقل تقدمه كذلك.

رصد تقدم البحوث

نظرياً، يتقدم العلم حين يبني الباحثون على ما توصل إليه من سبقوهم. وعندما تصدر دراسة جديدة، يحاول علماء آخرون تكرار العمل الذي أُجري فيها، فإذا كانت النتيجة الأصلية صحيحة، فمن المفترض أن تؤدي محاولة تكرارها إلى النتائج نفسها.

بيد أن المثير للدهشة أن ذلك لا يحدث، في الغالب. وهنا، تمثل المعرفة الضمنية جزءاً من المشكلة. وعليه، يبقى العلماء عاجزون عن معرفة الطريقة الدقيقة لتكرار دراسة ما بمجرد قراءة ما كُتب عنها.

خلال عملها بأبحاث ما بعد الدكتوراه، أدركت رينيه ويغرزين، إحدى مؤسسات شركة «ترانسفير»، هذه الفجوة بوضوح. فقد كانت تدون تفاصيل تجاربها على البروتينات في دفتر المختبر، لكن ما سجّلته لم يكن سوى جزء بسيط من جهودها.

وعندما نشرت ويغرزين نتائجها اضطرت إلى اختزال سجلاتها بدرجة أكبر. وقالت: «أمضيت ثلاث سنوات في مرحلة ما بعد الدكتوراه، ثم جرى اختزال كل ذلك في ورقة بحثية من ثلاث صفحات».

وبطبيعة الحال، غابت عن تلك الملاحظات والتقارير، جميع القرارات الصغيرة التي اتخذتها ويغرزين، في أثناء إجراء أبحاثها.

وقال برايان نوسِك، الخبير في دلائل تكرار الدراسات بجامعة فرجينيا، والذي لا تربطه صلة بشركة «ترانسفير»: «قد تكون كل هذه التفاصيل مهمة، لكننا ببساطة لا نعرف على وجه اليقين ما إن كانت مهمة بالفعل».

وعندما تفشل دراسة مكررة في الوصول إلى النتائج الأصلية، فإن هذا قد يعني أن الدراسة الأولى كانت خاطئة. وربما كانت صحيحة بالفعل، لكن العلماء الذين حاولوا تكرارها ارتكبوا خطأً ما، من دون أن يدركوا ذلك. وقد يكون من الصعب على فرق العلماء أن تتفق على ما حدث بالضبط.

عام 1993، أفادت عالمة النفس فرانسيس راوشَر وزملاؤها بأن الأشخاص الذين يستمعون إلى موسيقى من تأليف فولفغانغ أماديوس موتسارت، يحققون تحسناً مؤقتاً في اختبارات الاستدلال. وأدى الجدل الذي أُثير حول ما عُرف باسم «تأثير موتسارت»، إلى دفع باحثين آخرين لإجراء تجاربهم الخاصة.

المثير أن كثيرين منهم لم يجدوا أي فائدة تُذكر. أما راوشَر، فقد قللت من أهمية هذه الإخفاقات، وقالت إن العلماء الآخرين لم يجربوا «تأثير موتسارت»، لأنهم لم يكونوا بارعين بما يكفي في إجراء التجارب؛ أي إنهم لم يكونوا «طهاة» علميين جيدين.

ولسنوات طويلة، استمر البحث عن «تأثير «موتسارت». وفي نهاية المطاف، لم يجد علماء آخرون سوى أدلة ضئيلة على وجوده.

ودفع هذا الوضع بعض العلماء نحو البحث عن وسائل جديدة لنقل المعرفة الضمنية. على سبيل المثال، عام 2006، أسس عالم الأحياء موشي بريتسكر دورية علمية حملت اسم «JoVE» تُنشر فيها مقاطع مصورة لعلماء، وهم يجرون تجارب معقدة.

وعام 2014، أنشأ عالم الأحياء ليني تيتلمان منصة تتيح للعلماء مشاركة بروتوكولاتهم ومناقشتها. ويستخدم الباحثون الموقع، ويحمل اسم «بروتوكولز دوت آي أو Protocols.io »، للمساعدة في تدريب الأعضاء الجدد في مختبراتهم، خاصة بعد رحيل العلماء ذوي الخبرة، الذين لطالما امتلكوا تلك «الأيدي السحرية».

أما ويغرزِن وفاغنر فتعملان من خلال «ترانسفير» على بناء نظام قادر على جمع كميات هائلة من البيانات عما يحدث داخل المختبر، في صورة تسجيلات مصورة وتسجيلات صوتية وبيانات صادرة عن أجهزة الاستشعار في معدات المختبر. بل وتتبع «ترانسفير» مصدر مستلزمات العمل، وصولاً إلى أرقام تشغيلات علب القفازات. والسؤال: لماذا كل هذا؟ عن ذلك، أجابت فاغنر: «ربما كان هناك أبخرة أو مواد متصاعدة من القفاز تؤثر في تجربتك».

من جهته، يرى نوسِك أن هذا النهج الجديد قد يكشف بعض الأسرار التي تفسر سبب نجاح التجارب أو فشلها. وقال: «أكثر ما يعجبني في عملهم أنهم ينطلقون بكل قوة في محاولة تفكيك كل تفصيلة. من المنطقي تماماً أن نذهب إلى أبعد مدى، ثم نكتشف ما الذي يهم بالفعل».

وتُدخل الشركة سجلها الرقمي للتجارب إلى أجهزة حاسوبية جرى تدريبها على التعرف إلى المعدات المستخدمة في تجارب الكيمياء الحيوية. وتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتبع المعدات، إلى جانب أيدي العلماء، وفك شفرة كل إجراء يقومون به.

وقد كشف هذا التحليل عن أن العاملين في المختبرات يجرون التجربة نفسها بطرق مختلفة للغاية. وعن هذا، قالت فاغنر: «إن حجم التباين الذي نراه حتى بين العلماء المدربين جيداً، مذهل حقاً».

جدير بالذكر هنا أن شركة «ترانسفير» تعاقدت مع شركة متخصصة في الاختبارات التشخيصية، إلى جانب عملاء آخرين يرغبون في استخدام برمجياتها لتتبع أبحاثهم. وقالت فاغنر إنه ربما في نهاية المطاف يقتصر دور النظام على كشف الأخطاء، بل ويمتد كذلك إلى توثيق الاكتشافات غير المتوقعة.

وبدلاً من تقليب دفاتر المختبر بحثاً عن خيوط تقود إلى تفسير ما حدث، يستطيع النظام العودة إلى كل ثانية من العمل، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للبحث عن أمور غير مألوفة قام بها العاملون من دون أن يدركوا ذلك.

وقال نوسِك إن على «ترانسفير» تقديم نتائج مفصلة لإثبات أن هذا النظام يجعل العلم أفضل بالفعل. واقترح قائلاً: «خذ 50 مختبراً، وتتبع التجارب في نصفها باستخدام هذه التكنولوجيا، ولا تتتبعها في النصف الآخر، ثم ابحث عن الفروق في مستوى التقدم».

• خدمة «نيويورك تايمز»

نظم ذكية تؤلف سرداً خاصاً بها وتصف كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور ما ينفذه الباحثون في تجاربهم



المصدر

شاركها.
اترك تعليقاً