Published On 27/9/2026
|
آخر تحديث: 19:38 (توقيت مكة)
أسفرت حربا إيران وأوكرانيا عن تغيير خطط أوروبا للطاقة، التي كانت تهدف إلى تخفيض الاعتماد على المصادر التقليدية، حيث تواجه أوروبا الآن معضلة توفير الغاز اللازم لتوليد الكهرباء وتدفئة المنازل مع اقتراب فصل الشتاء، فيما تتصاعد المنافسة بينها وبين آسيا حول المتاح من الغاز في الأسواق، وبات غاز النرويج هو البديل الأفضل لأوروبا حاليا.
وذكرت صحيفة “فايننشال تايمز ” البريطانية أن المنافسة على شحنات الغاز الطبيعي المسال تهدد برفع الأسعار فوق مستوياتها الحالية، إذ تسعى أوروبا لتأمين احتياجاتها من الغاز، فيما يبدي المشترون في آسيا استعدادا لدفع أسعار أعلى للحصول على هذه الشحنات الشحيحة.
قصص مقترحة
list of 4 itemsend of list
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن احتياطيات الغاز الأوروبية تراجعت إلى أقل مستوى منذ 15 عاما، مما يزيد الضغوط على الحكومات الأوروبية لتوفير احتياجات مواطنيها من الغاز المسال في أسرع وقت ممكن.
وسجلت أسعار الغاز المسال بالفعل أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات، بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وقد وصل مؤشر “بلاتس جي كيه إم “، وهو المؤشر المرجعي للأسواق الآسيوية، إلى ما يقرب من 30 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في منتصف سبتمبر/أيلول الحالي، بينما بلغ سعر التداول 25.29 دولاراً يوم الجمعة الماضي.
في المقابل، بلغ سعر شحنات الوقود المتجهة إلى أوروبا 24.62 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وذلك وفقا لبيانات شركة “سبارك كوموديتيز” التي نقلتها الصحيفة.
طلب مرتفع من آسيا
ونقلت الصحيفة عن تاكايوكي أويدا، الرئيس التنفيذي لشركة “إنبكس ” اليابانية ، أن استعداد المشترين الآسيويين، الذين كانوا يوصفون عادة بأن لديهم حساسية تجاه الأسعار، لدفع مبالغ أعلى بدلا من المخاطرة بحدوث نقص في الإمدادات يمثل “تحولا جوهريا في سوق الغاز “.
وأضاف أويدا “يبدو أن الهند وباكستان قد اعتادتا على تقلبات الأسعار الآن “، موضحا أنه “لا تزال لديهما حماسة كبيرة للشراء “.
وفي السياق ذاته، قال المحلل في بنك مورغان ستانلي الأمريكي مارتين راتس “شهدنا قيام كل من باكستان وبنغلاديش بشراء شحنات متعددة من الغاز الطبيعي المسال بسعر 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أمر لم نره منذ العام 2022 “.
وأشارت الصحيفة إلى أن الدول النامية في آسيا خفضت بالفعل استهلاكها من النفط والغاز لأقل حد ممكن منذ اندلاع حرب إيران، وبالتالي لم يعد هناك مجال كبير لمزيد من التخفيض في الطلب من جانب هذه الدول.
كما قامت دول تمتلك اقتصادات متقدمة في آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بزيادة الاعتماد على الفحم لإنتاج الطاقة، وهي بدورها لديها الآن إمكانات محدودة لمزيد من التحول لمصادر أخرى للوقود، بخلاف النفط والغاز. ومن ثم ينتظر أن يستمر الطلب المرتفع من آسيا على الغاز الطبيعي المسال في الأشهر المقبلة.
منافسة “حتمية ” في الأسواق
لجأت دول الاتحاد الأوروبي إلى مجموعة من الإجراءات للحد من استهلاك الغاز الطبيعي، والتحول إلى بدائل أخرى منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في 2022، وما تزال هذه الإجراءات إلى حد كبير مطبقة، وفق “فايننشال تايمز “، مما يعني أنه من الصعب تخفيض الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي لأقل من مستواه الحالي.
ومن ثم، فإن المنافسة بين أوروبا وآسيا على المتاح من شحنات الغاز الطبيعي في الأسواق تبدو “حتمية “، وفق ما قاله أندرس بورسبرغ-سميث، الباحث في مجموعة بوسطن الاستشارية .
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن بعض الدول الآسيوية حولت اهتمامها نحو تأمين إمدادات طويلة الأجل من الغاز الطبيعي المسال، وذلك للحد من احتمالية الاضطرار إلى المنافسة على شحنات السوق الفورية في المستقبل.
لكن بعض المشترين الأوروبيين عبروا عن ترددهم في إبرام اتفاقيات طويلة الأجل لشراء الغاز المسال، خشية أن تتعارض هذه الخطوة مع لوائح الاتحاد الأوروبي الجديدة التي تلزم المستوردين بتخفيض الانبعاثات من غاز الميثان. ويواجه التكتل ضغوطا لتأجيل تطبيق هذه القواعد، بما في ذلك ضغوط من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
غير أن ألكسندروس إكسارخو، رئيس مجموعة “أكتور ” اليونانية – التي وقعت مؤخرا اتفاقية طويلة الأمد مع شركة “فينتشر غلوبال ” الأمريكية لشراء الغاز الطبيعي المسال، قال لفايننشال تايمز إنه يتوقع أن يتراجع الاتحاد عن اللوائح المتعلقة بالميثان، وذلك في أعقاب السباق المحموم لتأمين إمدادات الغاز الطبيعي المسال خلال فصل الشتاء، والضغوط التضخمية الناجمة عن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة.
أهمية غاز النرويج
يعتمد الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد على الغاز الأمريكي لتغطية احتياجاته، وهو ما يمكن أن يستخدم كورقة ضغط على أوروبا، وفق مجلة “بوليتيكو ” الأمريكية، في المفاوضات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن التعريفات الجمركية والتبادل التجاري بشكل عام بين الجانبين.
وأوضحت “بوليتيكو ” أن قضية التغير المناخي تراجعت في قائمة أولويات أوروبا، حيث بات ينظر إلى مصادر الطاقة المتجددة في سياق حماية المستهلكين من الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود الأحفوري.
ومع تصاعد طلب أوروبا على الغاز لتأمين احتياجاتها من جانب، والرغبة في الحد من الاعتماد على الغاز الأمريكي من جانب آخر، تبدو أهمية الغاز الذي توفره النرويج لأوروبا، ويبدو التوجه للنرويج هو الخيار الأفضل للاتحاد.
وعلى الرغم من أن النرويج تقع خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها توفر ما يقرب من ثلث احتياجات التكتل من الغاز، و14% من استهلاكه من النفط الخام، وفق بيانات العام الماضي التي ذكرها موقع “بوليتيكو “.
ويمر نحو ربع إنتاج الغاز النرويجي عبر منشأة “كارستو ” النرويجية العملاقة، حيث يشحن جزء كبير منه إلى أوروبا عبر خطوط أنابيب تصل إلى بلجيكا وفرنسا وألمانيا.
وغيرت شركة “إكوينور ” النرويجية، التي تدير منشأة “كارستو “، أكبر منتج للنفط والغاز في النرويج، سياستها في إطار التحول الأوروبي تجاه الطاقة التقليدية. فقبل ست سنوات، مع تصاعد ضغوط الاتحاد الأوروبي، أعلنت الشركة عن خطة للاستثمار في الطاقة المتجددة، وتخفيض انبعاثات الكربون لمستوى الصفر بحلول منتصف القرن.
وتخلت الشركة هذا العام عن الهدف المتعلق بالطاقة المتجددة، وذلك للتركيز على استخراج الغاز والنفط من الجرف القاري النرويجي، مع تصاعد الطلب عليه.
وقال أندرس أوبيدال، الرئيس التنفيذي لشركة “إكوينور “، لمجلة “بوليتيكو “، بعد توقيع عقد لتوريد الغاز لمدة 15 عاماً مع شركة المرافق الألمانية “يونيبر ” “لدى جميع عملائي في أوروبا إستراتيجية للتحول، وهم يعملون على الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، لكنهم يبرمون أيضا عقوداً طويلة الأجل للغاز “.
ومن جانب آخر، قال وزير الطاقة النرويجي تيري أوسلاند لمجلة “بوليتيكو ” إن إستراتيجية بلاده تتمثل “في أن تكون موردا للنفط والغاز للسوق الأوروبية على المدى الطويل. وهدفنا لا يكمن في أرقام محددة، بل في تحقيق أعلى مستوى ممكن من الإنتاج “.