أصبح التفاهم المرتقب بشأن مضيق هرمز مهدداً بالتعثر، في «لعبة شطرنج» تتمسك فيها واشنطن وطهران بأوراق الضغط وتنتظر كل منهما خطوة من الأخرى قبل تقديم أي تنازل، بين حصار وضغوط اقتصادية أميركية، واستمرار إغلاق الممر وربط إعادة فتحه بشروط إيرانية.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، إن المفاوضات مع سلطنة عُمان أحرزت تقدماً وتوصلت إلى تفاهم بشأن خريطة حركة السفن في المضيق، لكنها جددت تمسك طهران بشروطها لإعادة فتحه، وردت على رهان الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الضغوط الاقتصادية بالقول إن الإيرانيين أثبتوا أنهم «لاعبو شطرنج محترفون».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إن المفاوضات مع مسقط «تسير بسلاسة وبشكل بنّاء»، وإن الجانبين توصلا إلى تفاهم بشأن خريطة حركة السفن، فيما لا تزال بعض المسائل الفنية المتعلقة بالبيان المشترك قيد البحث.

وأضاف أن الترتيبات الجاري إعدادها تشمل آليات لمراقبة الملاحة الآمنة والتعاون في القضايا البيئية والخدمات البحرية ومكافحة الجرائم. ورداً على سؤال بشأن احتمال فرض رسوم على السفن، قال إن هذه التفاصيل لا تناقش في المرحلة الحالية، لكنه أشار إلى أن تقديم الخدمات البحرية يستتبع عادة الحصول على مقابل مالي.

وأوضح بقائي أن جميع المفاوضات التي تجريها وزارة الخارجية تخضع لإشراف المجلس الأعلى للأمن القومي، وأن الوزارة ترفع تقارير عن سيرها وفق آلية اتخاذ القرار المعتمدة.

وجدد في الوقت نفسه نفي وجود مفاوضات مع الولايات المتحدة، قائلاً إن ما يجري يقتصر على تبادل رسائل عبر الوسطاء بشأن القضايا المطروحة، وإن الخطوة التالية بين الجانبين «تعتمد على الظروف».

«لعبة الشطرنج»

وجاءت تصريحات بقائي غداة تأكيد ترمب أن إدارته تتعامل مع إيران «بهدوء» وتراقب الضغوط الاقتصادية المتزايدة عليها، في إشارة إلى تفضيله في المرحلة الحالية مواصلة الضغط بدلاً من العودة إلى حملة عسكرية واسعة.

وقال ترمب في اتصال هاتفي قصير مع موقع «أكسيوس»: «لا نجري سوى شبه مفاوضات معهم. نحن نراقب إيران فحسب، في ظل التضخم الهائل الذي تعاني منه وحقيقة أنها لا تملك أي أموال».

ووصف الوضع الاقتصادي الإيراني بأنه «سيئ للغاية»، وقال إن طهران لا تملك الأموال الكافية لدفع رواتب قواتها، معتبراً أن الحصار البحري الأميركي أدى إلى زيادة الضغوط الاقتصادية عليها.

وأضاف ترمب عن المواجهة: «الأمر سينجح. إنه ينجح دائماً. الأمر أشبه بلعبة شطرنج».

ورد بقائي، الاثنين، قائلاً إن «الإيرانيين أظهروا أنهم لاعبو شطرنج محترفون»، سواء في المداولات العلنية أو غير العلنية.

وكان مسؤولون أميركيون قد أبلغوا «أكسيوس» بأن ترمب كان يميل قبل نحو أسبوع إلى استئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران، قبل أن يُقنع بخفض التصعيد مؤقتاً.

وقال مسؤول أميركي إن توقف القتال يفرض على السلطات الإيرانية مواجهة آثار الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والأزمة الاقتصادية، فيما تواصل واشنطن استخدام الحصار والعقوبات والضغط العسكري.

وشدد المسؤول على أولوية الطاقة في حسابات الإدارة الأميركية، قائلاً إن نحو ثمانية ملايين برميل من النفط تخرج يومياً من الخليج عبر الممر الجنوبي لمضيق هرمز بالتنسيق مع الجيش الأميركي، وإن واشنطن ستسعى إلى زيادة الكميات ما لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وبقيت أسعار النفط مرتفعة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، لكنها تراجعت عن القمم التي سجلتها في الأشهر الماضية، بينما يراقب البيت الأبيض انعكاسات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز على المستهلك الأميركي.

وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قد وصف، السبت، المواجهة بأنها لا تزال في «منتصف اللعبة»، قائلاً إن واشنطن تستخدم مزيجاً من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية للوصول إلى النتيجة التي تريدها.

وأعلن فانس أن الولايات المتحدة أحرزت «بعض التقدم» في اتصالاتها مع إيران، لكنها لم تحصل بعد على كل ما تطلبه إدارة ترمب. وقال إن واشنطن «لا تثق» بالتعهدات الإيرانية وستتحقق من الأفعال، مشيراً إلى أن المحادثات تركز على تأمين الملاحة في المضيق وإزالة الألغام ووقف استهداف السفن التجارية.

وأضاف أن الإيرانيين أبلغوا الإدارة الأميركية بأنهم لا يعتزمون فرض رسوم على عبور السفن، رغم تصريحات إيرانية أخرى تناولت إمكان الحصول على مقابل لقاء خدمات بحرية.

سفينة قرب مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان، الاثنين (رويترز)

شروط ما بعد التفاهم

وتقول إيران إن التوصل إلى اتفاق مع عُمان بشأن مسارات الملاحة لا يعني تلقائياً إعادة فتح المضيق.وكان وزير الخارجية عباس عراقجي قد أعلن، الأحد، أن المفاوضات مع مسقط بلغت «المراحل النهائية»، لكنه شدد على أن إعادة فتح الممر تتوقف على تلبية واشنطن شروطاً أخرى.

ونفى عراقجي وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، موضحاً أن الرسائل تنتقل عبر الوسطاء، واشترط لاستئناف المحادثات وقف ما تعده طهران خرقاً لمذكرة تفاهم إسلام آباد والتعويض عن الالتزامات التي تقول إن واشنطن انتهكتها.

وسبق أن أعلن محمد باقر ذو القدر، الذي كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي قبل تعيين محسن رضائي خلفاً له الأحد، قائمة مطالب لإعادة فتح المضيق.

وتشمل المطالب وقف التهديدات الأميركية لإيران، وإنهاء الحرب والعمليات العسكرية ضد إيران وحلفائها في لبنان وفلسطين واليمن والعراق، ورفع الحصار البحري وسحب القوات الأميركية البحرية والجوية من محيط إيران.

كما طالب ذو القدر بدفع تعويضات كاملة عن أضرار الحرب، ورفع العقوبات، والإفراج من دون شروط عن الأصول الإيرانية المجمدة.

وجدد بقائي، الاثنين، موقف طهران من الحصار، قائلاً إن رفعه لا يمكن أن يعتمد على الدبلوماسية وحدها، لأنه «ليس إجراء دبلوماسياً».

وقال إن الدبلوماسية تمثل جزءاً من أدوات إيران، لكن مواجهة الحصار واستخدام القوة تتطلب، بحسب قوله، «القوة والقدرة العسكرية إلى جانب الدبلوماسية».

وأضاف أنه ما دام الحصار البحري الأميركي والانتهاكات الأخرى مستمرة، فلن تتوافر الظروف التي تسمح باعتبار مضيق هرمز ممراً آمناً بصورة طبيعية.

وفي أحدث بياناتها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أن أكثر من 20 سفينة حربية أميركية تنتشر في الشرق الأوسط ضمن المهمات العسكرية، بما في ذلك تطبيق الحصار على إيران.

وأضافت أنه حتى 9 أغسطس (آب)، أعادت القوات الأميركية توجيه 55 سفينة تجارية، وعطلت سفينتين، وصعدت على متن اثنتين أخريين لضمان الامتثال للحصار.

وكان مسؤول أميركي قد قال لـ«رويترز» إن واشنطن سترفع الحصار عن الموانئ الإيرانية بمجرد الإعلان عن اتفاق يسمح باستئناف حركة الشحن التجاري من دون عوائق، مضيفاً أن الخطوات الأميركية ستظل مرتبطة بوفاء إيران بالتزاماتها.

بحارة أميركيون يجرون أعمال صيانة لمقاتلات «إف/إيه-18 إي سوبر هورنت» على متن حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» ضمن عمليات دعم الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

قناة باكستان

وتزامنت المفاوضات بشأن مضيق هرمز مع نشاط دبلوماسي جديد بين طهران وإسلام آباد. وأعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار أجرى اتصالاً هاتفياً مع عراقجي، بحثا خلاله التطورات الإقليمية والجهود الرامية إلى تعزيز السلام والاستقرار.

وفي طهران، أعلن بقائي أن إيران تلقت دعوتين رسميتين لعراقجي ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لزيارة باكستان. وقال إن الزيارتين ستجريان عندما تتوافر الظروف المناسبة، وإن العلاقات الثنائية ستكون في صدارة المحادثات.

وأشار إلى أن وزراء الاقتصاد والعلوم والصناعة والتعدين والتجارة والداخلية الإيرانيين زاروا باكستان خلال الأيام العشرة الماضية، وأجروا مباحثات في الملفات المرتبطة باختصاصاتهم.

وباكستان، إلى جانب قطر وعُمان، من الدول التي نشطت في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن خلال مراحل مختلفة من الحرب والمفاوضات.

تحرك برلماني

وبالتوازي مع المسار الدبلوماسي، يواصل البرلمان الإيراني إعداد إطار تشريعي بشأن مضيق هرمز. وأعلن المتحدث باسم لجنة الإعمار عبد الجلال إيري إقرار الخطوط العامة لمشروع «العمل الاستراتيجي لتأمين أمن وتنمية مضيق هرمز والخليج العربي»، على أن تخضع تفاصيله لمزيد من الدراسة قبل إحالته إلى الجلسة العامة.

وكانت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية قد أقرت الخطوط العامة للمشروع أيضاً. ويتناول المشروع تنظيم حركة السفن والقيود التي تريد طهران تطبيقها في المضيق، بالتزامن مع المفاوضات الجارية مع عُمان بشأن ترتيبات جديدة للملاحة.

وجاءت هذه التحركات بعد أيام من خلافات داخلية إيرانية بشأن كيفية إدارة ملف المضيق والمفاوضات مع واشنطن.

ونقل «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن الرئيس مسعود بزشكيان يدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق بسبب مخاوف من تدهور الوضع الاقتصادي، فيما يرفض جناح داخل المؤسسة العسكرية تقديم تنازلات.

وكان بزشكيان قد قال إن الظروف الحالية تمثل «أفضل وقت» للتوصل إلى اتفاق، وإن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى أجل غير محدد، داعياً إلى الخروج من حالة «لا حرب ولا سلام».

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة بندر عباس جنوب إيران، الاثنين (أ.ف.ب)

وفي المقابل، أعلن «الحرس الثوري» أن المضيق سيظل مغلقاً حتى تقبل الولايات المتحدة جميع الشروط الإيرانية، ووصف المتحدث باسمه حسين محبي المضيق بأنه أصبح «ساحة جغرافية للمعركة».

وقال نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد، الاثنين، إن مضيق هرمز «لن يعود إلى الظروف التي كانت قائمة قبل الحرب»، معتبراً أن الولايات المتحدة وإسرائيل أدركتا، بعد المواجهة مع القوات الإيرانية، أن إعادة فتح المضيق «ليس لها حل عسكري»، وأن عليهما القبول بما وصفه بـ«النظام الجديد في المنطقة».

ونقل موقع البرلمان الإيراني عن نيكزاد قوله في اجتماع أن طهران «لا تعترف بأي مسار» للملاحة غير الذي يجري الاتفاق عليه مع سلطنة عُمان، وقال إن المسار الذي تحدده القوات المسلحة الإيرانية سيكون «المسار الوحيد الممكن» لعبور السفن، على أن تلتزم بالشروط التي تحددها الحكومة الإيرانية.



المصدر

شاركها.
اترك تعليقاً