تعود واشنطن للحديث عن شرق أوسط مستقر ومزدهر، مع وعود بإنهاء الحروب وفتح أبواب الاستثمار، في حين تكشف الوقائع في غزة واليمن والسودان عن فجوة واسعة بين الخطاب الأميركي والميدان.
هذا التباين شكّل محور حلقة برنامج الاتجاه المعاكس (2025/12/16)، التي ناقشت ما إذا كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقود تحولا حقيقيا في سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة، أم تعيد إنتاج نهج قديم بصيغة أقل صدامية وأكثر براغماتية.
وطرح سؤالا جوهريا طالما تردد في الوعي العربي: هل تمثل الوعود الأميركية الجديدة للشرق الأوسط، في عهد الرئيس ترامب، بداية “عصر ذهبي” من الاستقرار والازدهار، أم مجرد إعادة إنتاج لخداع سياسي قديم بصياغة أكثر نعومة؟
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
واستضاف مقدم البرنامج فيصل القاسم كلا من الدكتور عبد الحفيظ شرف، الخبير في الشأن الأميركي، والأستاذ عبد النبي عبد المطلب، الخبير في الشؤون الدولية، حيث انقسم الضيفان بحدة حول نوايا واشنطن، بين من يرى تغيرا إستراتيجيا فعليا، ومن يعدّ الخطاب الجديد مجرد قناع لنهج قديم.
الدكتور عبد الحفيظ شرف اعتبر أن الولايات المتحدة لا تتصرف بدافع أخلاقي، بل انطلاقا من مصالح واضحة، مؤكدا أن هذه المصالح تغيّرت جذريا.
وبرأيه، فإن الشرق الأوسط لم يعد ساحة حروب واختبارات، بل أصبح سوقا واعدة، تضم مئات الملايين من الشباب، وقادرة على استيعاب استثمارات كبرى خلال العقود المقبلة.
وأوضح شرف أن واشنطن أدركت كلفة “الحروب الأبدية” التي أنهكتها ماليا وسياسيا، وأنها باتت تميل إلى مقاربة تقوم على الاستقرار والاستثمار وتقليص التدخل العسكري المباشر، مع الاعتماد على الشركاء الإقليميين، في ظل تراجع الوزن الاقتصادي لأوروبا وصعود منافسين كالصين.
خطأ لن يتكرر
وضرب شرف مثالا بسوريا، معتبرا أن رفع العقوبات الأميركية عنها، بما فيها “قانون قيصر”، والانفتاح السريع على إعادة الإعمار، يعكسان تغييرا نوعيا في السياسة الأميركية، مقارنة بما جرى في العراق بعد 2003، وقال إن واشنطن تعلمت من “خطأ العراق” ولن تكرره في سوريا.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة باعتبارها “أوروبا الجديدة”، وفق تعبيره، مستشهدا بتصريحات سابقة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وبمشاريع كبرى مثل الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي، الذي تسعى واشنطن إلى دعمه لمنافسة “طريق الحرير” الصيني.
في المقابل، بدا الأستاذ عبد النبي عبد المطلب شديد التشكيك في أي حديث عن تحول أخلاقي أو إستراتيجي في السياسة الأميركية، معتبرا أن التاريخ الأميركي في المنطقة “لا يسمح بالثقة”.
وتساءل بلهجة حادة: لماذا يُطلب من العرب تصديق واشنطن اليوم، في حين لم تعتذر عن العراق، ولا عن تفكيك دول، ولا عن دعم حروب بالوكالة؟
ورأى عبد المطلب أن الخطاب الأميركي عن الاستقرار يتناقض مع سياسات واقعية، مثل الحروب التجارية، وفرض الرسوم الجمركية، وتأجيج الصراعات العالمية، محذرا من أن التنافس الأميركي الصيني قد يقود العالم إلى صدامات كبرى تكون المنطقة العربية إحدى ضحاياها.
وانتقد ما وصفه بـ”الاستقرار الشكلي” الذي تسعى إليه واشنطن، معتبرا أنه يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل بالدرجة الأولى، ولا يعالج جذور الأزمات في غزة والسودان واليمن، بل قد يعيد إنتاجها بصيغ جديدة، تضمن السيطرة الاقتصادية والسياسية.
إعادة هندسة المنطقة
وفي حديثه عن “الشرق الأوسط الجديد”، تساءل عبد المطلب عن تعريفه الحقيقي، معتبرا أنه مشروع يقوم على إعادة هندسة المنطقة بما يخدم الهيمنة الأميركية والإسرائيلية، وليس على تحقيق تنمية شاملة أو عدالة سياسية لشعوبها، محذرا من أن غزة قد تكون النموذج الأخطر في هذا السياق.
واستحضر عبد المطلب تجارب سابقة، مؤكدا أن الولايات المتحدة لم تنجح منذ مشروع مارشال في تقديم نموذج تنموي حقيقي في العالم العربي، متسائلا عن دورها في تسليح أطراف النزاعات، خصوصا في السودان، وعن مسؤوليتها الأخلاقية عن استمرار النزيف.
في المقابل، دافع شرف عن الطرح القائل إن واشنطن باتت ترى في إيران ومليشياتها عامل عدم استقرار رئيسيا، وأن إستراتيجيتها الجديدة تقوم على تحجيم هذا النفوذ، وحماية الممرات التجارية، وتهيئة بيئة جاذبة لرأس المال، الذي “لا يستثمر في الفوضى”.
وأشار إلى أن رأس المال العالمي بدأ يتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره منطقة واعدة لعقد مقبل على الأقل، معتبرا أن هذا مؤشر لا يمكن تجاهله، حتى لو بقيت التحديات السياسية والاجتماعية قائمة.
لكن القاسم أعاد توجيه النقاش إلى سؤال أعمق، متسائلا عن جدوى رهن مستقبل المنطقة بالإرادة الأميركية وحدها، في ظل أزمات داخلية بنيوية تعاني منها دول عربية عدة، من ضعف المؤسسات إلى الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية.
وبدا أن الحلقة لم تنته إلى إجابة حاسمة، بقدر ما كشفت عمق الانقسام في قراءة الدور الأميركي بين من يرى فيه فرصة تاريخية لالتقاط أنفاس المنطقة، ومن يراه فصلا جديدا في سجل طويل من الوعود العرقوبية.
Published On 16/12/2025
|
آخر تحديث: 22:28 (توقيت مكة)
