يُشكّل انعقاد الاجتماع العسكري اللبناني – الإسرائيلي، برعاية أميركية في فلوريدا، بين 20 و22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، محطةً يُعوّل عليها لإخراج تطبيق «اتفاق الإطار» من حالة المراوحة، وإن كان موعد الاجتماع لا يزال بحاجة إلى تثبيت من جانب واشنطن. كما لم يُحسم بعد ما إذا كان الحضور سيقتصر على العسكريين، أم سيُطعّم بمشاركة مدنيين، برئاسة السفير السابق سيمون كرم، وحضور سفيرة لبنان في أميركا ندى حمادة معوض، إلى جانب مدير العمليات في قيادة الجيش العميد الركن جورج رزق الله.
فلبنان استعد للاجتماع العسكري في فلوريدا، ويعوّل على عدم إبقاء تطبيق «اتفاق الإطار» معلقاً إلى ما بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 أكتوبر. ويخشى لبنان أن يعمد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تأخير تفعيل الاتفاق، انطلاقاً من رغبته في إبقاء ورقة الجنوب حاضرة في السباق الانتخابي، بما يتيح له إشعار الناخبين بأنهم بحاجة إليه لضمان أمن المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة.
رزمة من المقترحات
وكشف مصدر وزاري معني مباشرة بالمفاوضات أن الوفد العسكري يحمل في جعبته رزمة من المقترحات، لا تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الأعمال العدائية، بل تتجاوز ذلك إلى إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، والبحث في تشكيل قوة دولية بغطاء من مجلس الأمن تحلّ محل قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» فور انتهاء ولايتها أواخر العام الحالي.
وأكد المصدر الوزاري لـ«الشرق الأوسط» أن ترؤس رئيس الحكومة نواف سلّام الوفد اللبناني المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أتاح له، خلال لقاءاته المتنقلة بين نيويورك وواشنطن، حشد الدعم لوجهة نظر لبنان الداعية إلى إحلال قوة دولية، بغطاء من مجلس الأمن، محل «يونيفيل» فور مغادرتها الجنوب.
ولفت إلى أن سلام، بالتنسيق مع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، يصر على أن تكون القوة الدولية بديلاً من «يونيفيل»، بما يضمن استمرار الشاهد الدولي المواكب للجهود الرامية إلى انسحاب إسرائيل من الجنوب، بالتوازي مع انتشار الجيش من جهة، وتمسك الحكومة بحصرية السلاح بيد الدولة، تأكيداً لقرار مجلس الوزراء في هذا الشأن، من جهة ثانية. ويرى أن ذلك يضع «حزب الله» أمام استحقاق اتخاذ قرار شجاع بالتعاون مع هذه الجهود والتخلي عن سلاحه.

وأكد المصدر أن الوفد العسكري سيطرح انسحاب إسرائيل من البلدات الواقعة في محيط قلعة «الشقيف»، بما يتيح للجيش اللبناني الانتشار فيها، خصوصاً أن تل أبيب سبق أن طالبت بإدراج هذه البلدات ضمن منطقة انتشار الجيش في جنوب الليطاني. وأوضح أن هذا الطلب جاء قبل إسناد «حزب الله» لإيران، ردّاً على اغتيال إسرائيل المرشد علي خامنئي.
وشدد على أن مواصلة الجيش الإسرائيلي تجريف البلدات الواقعة ضمن «الخط الأصفر»، وتدميره الممنهج لما تبقى فيها من منازل، ستكونان على جدول أعمال اجتماع فلوريدا، خصوصاً أنه لا مبرر لتحويل منطقة جنوب الليطاني إلى أرض محروقة، أو لمواصلة تدمير البلدات الواقعة فيها، بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي استكمال تدمير البنى التحتية لـ«حزب الله» في هذه المنطقة.
الخشية من فراغ قاتل
ورأى المصدر نفسه أن مجرد تعزيز انتشار الجيش من شأنه أن يعزز موقف الحكومة، ويُضعف الحجج التي يتذرع بها «حزب الله» للاحتفاظ بسلاحه. وتساءل: «أين تكمن المصلحة في إبقاء لبنان على لائحة الانتظار، وتعليق تطبيق الاتفاق إلى ما بعد الانتخابات في إسرائيل، ولاحقاً انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة؟».
وأبدى المصدر خشيته من «إقحام لبنان في فراغ قاتل، يفتقد فيه إلى الحد الأدنى من المقومات التي تمكّنه من الصمود». وتساءل: كيف توفّق واشنطن بين رغبتها في عدم ربط المسار اللبناني بإيران، وعدم الضغط على إسرائيل لوقف تجريفها البلدات، الذي لم يعد يقتصر على تلك الواقعة ضمن «الخط الأصفر»، بل امتد إلى البلدات المحيطة بقلعة الشقيف، عند الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني المشرفة على جنوبه؟
وأكد أنه ليس في مقدور الحزب إعاقة انتشار الجيش في هذه البلدات، بعد إخلائه تلال «علي الطاهر» وسيطرة الجيش الإسرائيلي عليها. وقال إن المزاج الشيعي العام المؤيد لعودة الدولة إلى هذه القرى، وترحيبه بانتشار الجيش في بعضها، يشكّلان عامل ضغط على الحزب، لا سيما في ظل التزامه بعدم الرد على الخروق والاعتداءات الإسرائيلية، ما يعني، برأيه، أنه لم يعد هناك مبرر لاحتفاظه بسلاحه.

ومع أن المصدر حذّر من تفاقم الأزمة المعيشية والاجتماعية، فإنه قال في المقابل إن الحكومة باتت، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى جرعة دعم سياسي – اقتصادي، تتكئ عليها في مواجهة الحزب وإسقاط ذرائعه.
ولفت إلى ضرورة انتشار الجيش في البلدات المحيطة بقلعة «الشقيف»، بضغط أميركي على إسرائيل لتوسيع نطاق انتشاره في المدن والقرى التي لا تزال محتلة. وقال إن ذلك يتطلب من واشنطن استخدام نفوذها لإخراج تشكيل «آلية التحقق» الدولية من دائرة التجاذبات، بما يمكّنها من التأكد من انتشار الوحدات العسكرية في هذه المناطق وخلوّها من سلاح الحزب ومقاتليه، إضافة إلى توفير ضمانات أميركية للبنان بعدم استهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المرتفعات الواقعة بين إقليم التفاح وجبل الريحان، «في حال ارتأى أنه بحاجة إليها لتأمين الأكثرية في الكنيست لعودته إلى رئاسة الحكومة».
تعويل على خرق…
لذلك، تبقى أنظار اللبنانيين مشدودة إلى اجتماع فلوريدا، أملاً في تحقيق خرق يُعوّل عليه لتوسيع انتشار الجيش، بما يسقط تلقائياً الحجج التي يتذرع بها «حزب الله»، سواء لتبرير احتفاظه بسلاحه، أو للتنصل من «اتفاق الإطار» لمصلحة الرهان على «مذكرة التفاهم» الأميركية – الإيرانية، بما يبقي لبنان معلقاً على تنفيذها. وذلك على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يفوّت مناسبة سياسية إلا ويؤكد فيها «عدم ربط المسار اللبناني بإيران»، في وقت لا تزال المذكرة أسيرة تبادل التهديدات بين واشنطن وطهران.
فهل تُقدم واشنطن في فلوريدا على خطوة تعبّد الطريق أمام بدء تطبيق «اتفاق الإطار»، أم يراد من الاجتماع العسكري (فقط) تمرير رسالة أميركية باستمرارية المفاوضات الإسرائيلية – اللبنانية، على الرغم من أن ذلك يوفّر لـ«حزب الله» الذرائع للاحتفاظ بسلاحه، الذي تراجع دوره بالمعنى الميداني للكلمة؟ فيما يؤكد لبنان، بلسان عون، مضيه في المفاوضات وتطبيقه لحصرية السلاح بيد الدولة.