يعيش فريق الأهلي مرحلة فنية مضطربة، وذلك منذ تولي الهولندي مارينو بوسيتش مهمة القيادة الفنية، إذ جاءت نتائج المباريات الكبرى دون تطلعات المدرج الأخضر، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على حاجة المدرب إلى وقت أكبر لفرض أسلوبه وبناء شخصية فنية واضحة.

ولا يملك بوسيتش البالغ من العمر 54 عاماً، سجلاً حافلاً كمدرب أول، إذ خاض تجربته مع تفينتي الهولندي لموسم، وشاختار الأوكراني لموسمين، والجزيرة الإماراتي لموسم، فيما قضى الجزء الأكبر من مسيرته التدريبية في أدوار المساعدين.

وتكشف بداية بوسيتش مع الأهلي عن صعوبة واضحة في التعامل مع المباريات الكبرى فنياً، إذ خسر الفريق أمام الخلود 3-1، ثم تلقى خسارة ثقيلة أمام الهلال بثلاثية نظيفة، قبل أن يسقط أمام القادسية 3-2.

وفي المقابل، كانت بداية المدرب الألماني السابق ماتياس يايسله مع نيوكاسل أكثر إيجابية على مستوى المباريات الكبيرة، عندما تعادل مع ليفربول 2-2، ثم تغلب على توتنهام 2-0، قبل أن يتعادل مع بورنموث 2-2.

ومما يلفت الانتباه في المقارنة بين المدرب الراحل والحالي، أن يايسله نجح في وقت مبكر في تقديم شخصية فنية واضحة خلال منافسات قوية وتنافسية، وهو ما يفتقده الأهلي حتى الآن مع بوسيتش.

ولا تعني هذه المقارنة وحدها أن مدرباً أفضل من الآخر، لكنها تضع بوسيتش أمام حقيقة واحدة، وهي أن المدرب الكبير مطالب بإظهار شخصيته سريعاً، خصوصاً عندما يتولى قيادة فريق ينافس على البطولات ويملك قائمة مدججة بالعناصر الدولية.

من أبرز علامات الاستفهام التي صاحبت بداية بوسيتش مع الأهلي، التغييرات المستمرة في التشكيلة والاختيارات الفنية من مباراة إلى أخرى، وهو ما انعكس على شكل الفريق واستقراره داخل الملعب.

فالمدرب لم يستقر حتى الآن على توليفة أساسية تمنح الفريق هوية واضحة، في ظل التبديل المستمر بين اللاعبين والمراكز، الأمر الذي يجعل بعض العناصر غير قادرة على بناء الانسجام المطلوب، خصوصاً في الخط الخلفي وخط الوسط.

صحيح أن ضغط المباريات يفرض على أي مدرب اللجوء إلى التدوير، وهو ما أشار إليه بوسيتش بنفسه، لكن التدوير يختلف عن غياب الثبات في العناصر والأدوار. فإدارة الأحمال البدنية لا تعني بالضرورة تغيير شكل الفريق بصورة متكررة، خصوصاً عندما تكون النتائج بحاجة إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى.

كما أن بعض الاختيارات أثارت تساؤلات لدى الجماهير، سواء على مستوى اختيار العناصر الأساسية أو توقيت التبديلات أو توزيع الأدوار داخل الملعب، وهو ما يزيد من علامات الاستفهام حول الرؤية الفنية التي يريد بوسيتش تطبيقها.

وفي المؤتمر الصحافي بعد الخسارة أمام القادسية، حاول بوسيتش تفسير تراجع النتائج، مؤكداً أن الفريق يصنع العديد من الفرص، لكنه يعاني من استقبال الأهداف بسهولة.

وقال: «لا أعلم كيف خسر الفريق في المواسم الثلاث الماضية، لكن لا أعتقد أنكم خسرتم أقل مما نخسر الآن. السبب بسيط في الوقت الحالي، نستقبل الأهداف بسهولة، في المقابل نصنع فرصاً كثيرة، في الوقت الحالي نحتاج لاستعادة صلابتنا الدفاعية».

كما شدد على أن الأرقام السابقة لا تشغله، قائلاً: الأرقام السابقة لا تهم، المهم ما يحدث الآن.

وتكشف هذه التصريحات عن محاولة المدرب التركيز على المشكلات الحالية، إلا أن استمرار الأخطاء الدفاعية وتراجع النتائج في مواجهات القمة يضعان الجهاز الفني أمام اختبار حقيقي، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات أكثر أهمية.

وبعيداً عن الأرقام والنتائج، بدأت تظهر نقاشات حول شخصية بوسيتش داخل غرفة الملابس، خصوصاً بعد بعض المشاهد التي صاحبت مواجهة القادسية.

ومن أبرزها مغادرة زكريا هوساوي مقاعد البدلاء متوجهاً إلى غرف الملابس بعد فترة الإحماء، في مشهد فُسر على أنه تعبير عن غضبه من عدم مشاركته، إضافة إلى المشادة الكلامية التي حدثت بين إيفان توني ومحمد عبد الرحمن أمام المدرب في مباراة القادسية.

هذه المشاهد، بصرف النظر عن أسبابها الحقيقية، تضع المدرب أمام مسؤولية أكبر في فرض الانضباط وإدارة غرفة الملابس، لأن نجاح أي مشروع فني لا يعتمد على الجانب التكتيكي وحده، بل يحتاج أيضاً إلى شخصية قادرة على إدارة النجوم والحفاظ على وحدة المجموعة

المواجهة المقبلة المهمة لدى جمهور الأهلي أمام صن داونز ستكون أكثر من مجرد مباراة، باعتبارها نهائي كأس القارات، وستكون اختباراً حقيقياً لشخصية الأهلي ومدربه.

مارينو بوسيتش مطالب بإعادة شخصية البطل للأهلي قبل المواجهة القارية (تصوير: سعد العنزي)

فالفريق الذي خسر ثلاث قمم متتالية يحتاج إلى رد فعل قوي، ليس فقط من أجل تحقيق اللقب، وإنما لاستعادة الثقة وإثبات أن النتائج الماضية كانت مرحلة عابرة وليست انعكاساً للمستوى الحقيقي للفريق.

وفي النهائي، لن تكون هناك مساحة كبيرة للتجارب أو التغييرات غير المحسوبة؛ فالمباراة تتطلب تشكيلاً واضحاً، وأدواراً محددة، وقراءة فنية دقيقة، وقدرة على التعامل مع تفاصيل المواجهة.

أما في حال استمرار الأخطاء الدفاعية، وغياب الشخصية، وعدم قدرة الجهاز الفني على ضبط إيقاع الفريق وإدارة نجومه، فإن الضغوط على بوسيتش ستتضاعف بصورة كبيرة.

ولا يحتاج الأهلي في هذه المرحلة إلى مدرب يطلب الوقت فقط، بل إلى مدرب يستثمر الوقت المتاح لإظهار هوية واضحة وشخصية قوية واستقرار فني ونتائج تقنع الجماهير بأن المشروع الفني يسير في الاتجاه الصحيح.

ويبقى نهائي صن داونز المحطة الأهم لبوسيتش حتى الآن؛ فإما أن يكون بوابة لإعادة ترتيب المشهد واستعادة ثقة الجماهير، أو أن يزيد من حجم التساؤلات حول قدرة المدرب على قيادة الأهلي في المرحلة المقبلة.



المصدر

شاركها.
اترك تعليقاً