آخر خبر

حرب الكابلات سلاح خفي يهدد العالم دون رصاص


في حين تعتمد 99% من حركة البيانات الدولية على أكثر من 500 كابل بحري، تمتد لمسافة تتجاوز 1.3 مليون كيلومتر، أصبحت هذه «الشرايين الرقمية» هدفًا إستراتيجيًا في صراعات الحروب الجديدة.

وأظهر تقرير معهد «تشاتام هاوس» لعام 2025 ارتفاع الحوادث المشبوهة حول نقاط حساسة من البنية التحتية البحرية 400% منذ 2022، بينما تشير بيانات شركة «TeleGeography» إلى أن 70% من هذه الكابلات تمر عبر مضائق إستراتيجية، مثل مالاكا، وهرمز، وغيب الطرطوس.

لا تتطلب هذه الحرب رصاصة واحدة، فمجرد قاطعة صيد مزيفة أو غواصة صغيرة قد تُعطّل اقتصادات بأكملها. ففي 2024، كشفت وكالة الأمن الأوروبي ENISA أن 18% من الهجمات السيبرانية المرتبطة بالبنية التحتية الحرجة استهدفت بشكل غير مباشر أنظمة مراقبة الكابلات البحرية.

ويوضح التقرير كيف تحولت الكابلات تحت الماء إلى ساحة مواجهة خفية بين القوى العظمى، وما تعنيه هذه الحرب الصامتة للمستقبل الرقمي العالمي.

تهديد إستراتيجي

لم تعد الكابلات البحرية مجرد وسيلة تقنية لنقل البيانات، بل أصبحت جزءًا من «الجغرافيا الإستراتيجية» الجديدة.

ووفقا لمركز الدراسات «راند كوربوريشن»، فإن أي انقطاع متعمد في 3 نقاط رئيسة، مثل مضيق مالاكا وقناة السويس أو شمال المحيط الأطلسي، يمكن أن يُعطّل 60% من حركة الإنترنت العالمية.

وأظهرت وثائق استخباراتية غربية مسرّبة في 2025 أن الصين وروسيا طورتا قدرات خاصة لاعتراض أو قطع هذه الكابلات، بما في ذلك غواصات مصغرة تعمل على أعماق تصل إلى 4 آلاف متر. في المقابل، تستثمر الولايات المتحدة وحلفاؤها في مشروع «SeaWeave»، لمراقبة الكابلات عبر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة تحت الماء، وفق تقرير مجلة «ذا دبلومات» الشهري.

هشاشة الكابلات

على الرغم من التقدم التكنولوجي، تبقى الكابلات البحرية هشّة بشكل مقلق. فكل كابل يبلغ قطره نحو 2.5 سنتيمتر، ويُغطّى بطبقة واقية لا تصمد أمام أدوات قطع متطورة. وتشير دراسة جامعة أكسفورد في 2024 إلى أن متوسط وقت إصلاح الكابلات التالفة في المياه العميقة يتراوح بين 10 و20 يومًا، ما يعني أن أي هجوم منسّق قد يُحدث شللًا اقتصاديًا طويل الأمد.

وكشفت بيانات البنك الدولي أن الاقتصاد العالمي يخسر نحو 1.5 مليار دولار يوميًا لكل 1% من انقطاع خدمات الإنترنت الدولية. والأكثر إثارة للقلق أن 95% من هذه الكابلات مملوكة لشركات خاصة، ما يجعل تنسيق الحماية الأمنية مهمة معقدة ومشتتة.

منافسة جيوسياسية

تحولت الكابلات البحرية إلى ساحة جديدة للتنافس بين القوى الكبرى، إذ تسيطر شركات أمريكية وأوروبية على 65 % من شبكات الكابلات الحالية، بينما تسعى الصين عبر مبادرة «الحزام والطريق الرقمي» لبناء بدائل تخدم مصالحها.

ووفق تقرير «معهد بروكينجز» 2025، استثمرت بكين أكثر من 12 مليار دولار في مشاريع كابلات بحرية منذ 2020، معظمها في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. وتخشى واشنطن أن تُستخدم هذه الكابلات لجمع بيانات استخباراتية أو لفرض نفوذ رقمي، ما دفع وزارة الدفاع الأمريكية لتصنيف بعض الشركات الصينية، مثل «هواوي ماري تك»، كـ«تهديد أمني وطني».

الاستجابة الدولية

بدأت الدول الغربية خطوات جماعية لحماية هذه البنية التحتية. ففي نوفمبر 2025، أعلن حلف شمال الأطلسي «ناتو» مبادرة «الدرع الرقمية البحرية»، التي تشمل دوريات مشتركة، وتبادل معلومات استخباراتية، وتدريبات محاكاة لهجمات على الكابلات. كما أطلقت اليابان وكوريا الجنوبية مشروعًا مشتركًا، لمراقبة الكابلات في بحر الصين الشرقي، بالتعاون مع أستراليا.

مع ذلك، تبقى التشريعات الدولية ضعيفة؛ إذ لا يزال الإطار القانوني يعود إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، التي لم تُحدّث لتعكس التهديدات الرقمية الحديثة.

واقع تحت الماء

حرب الكابلات ليست خيالًا مستقبليًا، بل واقع يتشكل في الأعماق، فهي نقطة التقاء بين الأمن السيبراني والجغرافيا الإستراتيجية والاقتصاد الرقمي. ومع الاعتماد المتزايد على الاتصال الفوري، تصبح حماية هذه الشرايين الرقمية أولوية وطنية وعالمية. وإلا، فقد نجد أنفسنا في عالم ينهار دون أن تُطلق فيه رصاصة واحدة.



مصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى