تكشف صحف أمريكية وبريطانية عن تداعيات مهمة للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي بدأت تظهر في قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها، والحفاظ على جاهزية قواتها، وردع الصين وروسيا في آن واحد.
والمشكلة -كما توضح هذه الصحف- ليست فقط في عدد الصواريخ التي أطلقتها واشنطن خلال الأشهر الماضية، بل في أن مخزونات الأسلحة الأمريكية وحلفائها لم تعد تكفي بسهولة لحرب طويلة أو صراعين متزامنين.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وتقول صحيفة نيويورك تايمز -في تحليل لإدوارد وونغ- إن دولا آسيوية حليفة للولايات المتحدة بدأت تتساءل عن قدرة واشنطن واستعدادها للدفاع عنها إذا اندلعت مواجهة مع الصين.
ويضيف وونغ أن الفلبين تبرز مثالا واضحا على ذلك، بعدما شهد بحر جنوب الصين مواجهة خطيرة مع خفر السواحل الصيني حول شعاب توماس الثانية، في وقت كانت الولايات المتحدة تؤكد التزامها بمعاهدة الدفاع مع مانيلا.
الصين توسع نفوذها
ويرى وونغ أن المشكلة تكمن في أن الصين تواصل توسيع نفوذها العسكري بينما تستنزف الحرب مع إيران الموارد الأمريكية. فقد تعرضت القوات الأمريكية لهجمات صاروخية ومسيّرة أجبرتها على إخلاء قواعد في الشرق الأوسط، في حين تراجعت مخزونات صواريخ الدفاع الجوي.
وتزداد خطورة ذلك -كما يقول وونغ- عندما يتعلق الأمر بالصين، التي تمتلك قوة عسكرية أكبر بكثير من إيران، وقادرة على شن هجمات واسعة على القوات الأمريكية والقواعد المنتشرة في غرب المحيط الهادئ.
ويشير الكاتب إلى أن بكين لم تتوقف عن استعراض قوتها. ففي يوليو/تموز الماضي، أجرت الصين تجربة لإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على حمل رأس نووي من غواصة نووية، بينما تتزايد المخاوف من احتمال استغلال بكين أي فترة ضعف أمريكي للتحرك ضد تايوان.
وفي المقابل، يبدو حلفاء واشنطن في آسيا أكثر حذرا، خصوصا أن الصين هي الشريك التجاري الأكبر لكثير منهم، في حين لا تقدم الولايات المتحدة بديلا اقتصاديا مقنعا.
وتوضح نيويورك تايمز أن العلاقات العسكرية الأمريكية مع الفلبين ما زالت قوية، وأن واشنطن اختبرت معها في مايو/أيار الماضي منصة صواريخ تايفون القادرة على أداء دور في أي مواجهة حول تايوان. كما شاركت اليابان في تدريبات عسكرية في الفلبين للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. لكن مانيلا -كما تشير الصحيفة- تعمل أيضا على تنويع شراكاتها، في إشارة إلى أن الحلفاء لا يريدون الاعتماد على واشنطن وحدها.

الجانب الأكثر خطورة
وتشرح صحيفة تايمز البريطانية الجانب الأكثر خطورة من الأزمة: الولايات المتحدة تعاني نقصا حادا في الذخائر بسبب سنوات من التركيز على شراء الطائرات والسفن والمنصات العسكرية المتطورة، مقابل إهمال بناء مخزونات كافية من الصواريخ والقنابل.
وتقدر الصحيفة أن مخزون صواريخ باتريوت الأمريكية انخفض إلى أقل من 800، مقابل نحو 2300 قبل الحرب مع إيران، بينما تراجع مخزون صواريخ ثاد إلى نحو 250، مقارنة بـ600 قبل ثلاث سنوات. كما استهلكت الولايات المتحدة نحو نصف مخزون توماهوك خلال 18 شهرا، وتقريبا كامل مخزون صواريخ القصف الدقيق الذي كان متاحا في فبراير/شباط الماضي.
وتقول تايمز إن الأزمة كانت معروفة منذ سنوات، لكنها تفاقمت بعد حرب أوكرانيا ثم الحرب مع إيران. فصاروخ باتريوت يحتاج إلى نحو عامين لإنتاجه، وتبلغ تكلفته نحو 4 ملايين دولار، كما يعتمد على سلاسل توريد معقدة تشمل الرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة والمواد الكيميائية الخاصة بمحركات الصواريخ والرؤوس الحربية. لذلك لا تستطيع المصانع الأمريكية تعويض ما استهلكته الحروب بسرعة.
فايننشال تايمز تقدم الدليل الأكثر وضوحا على انتقال الأزمة إلى الحلفاء. فقد أصبحت أوكرانيا عاجزة في بعض الهجمات الروسية الأخيرة عن اعتراض أي صاروخ باليستي، بعدما فرغت منصات باتريوت من الصواريخ.
الدليل الأكثر وضوحا
أما صحيفة فايننشال تايمز فتقدم الدليل الأكثر وضوحا على انتقال الأزمة إلى الحلفاء. فقد أصبحت أوكرانيا عاجزة في بعض الهجمات الروسية الأخيرة عن اعتراض أي صاروخ باليستي، بعدما فرغت منصات باتريوت من الصواريخ.
ففي هجوم 5 أغسطس/آب الجاري، أطلقت روسيا 24 صاروخا باليستيا و4 صواريخ مضادة للسفن و115 مسيّرة على كييف، وأسقطت الدفاعات الأوكرانية 98 مسيّرة، لكنها لم تعترض أيّا من الصواريخ الباليستية. وبعد ثلاثة أيام، أصابت 6 صواريخ باليستية أخرى العاصمة الأوكرانية وقتلت 3 أشخاص.
وتكشف فايننشال تايمز أن كييف تحتاج إلى نحو 300 صاروخ باتريوت إضافي لمواجهة الحملة الروسية المتوقعة خلال الشتاء، بينما أطلقت روسيا رقما قياسيا بلغ 198 صاروخا باليستيا وفوق صوتي في يوليو/تموز. لكن الحرب مع إيران استنزفت أيضا مخزونات الولايات المتحدة ودول الخليج وأوروبا، مما جعل حلفاء أوكرانيا أكثر ترددا في التخلي عن احتياطياتهم المحدودة.
ضعف جاهزية البحرية الأمريكية
وتربط صحيفة وول ستريت جورنال الأزمة الصاروخية بمشكلة أوسع، هي تراجع جاهزية البحرية الأمريكية. فالصحيفة تشير إلى أن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن أمضت نحو 250 يوما في البحر، في جزء كبير منه دعما للعمليات ضد إيران، بينما تجاوزت عمليات حاملات أمريكية أخرى 250 و300 يوم. وهذا يؤدي إلى إرهاق البحارة وزيادة الأعطال وإطالة فترات الصيانة، ويكشف أن البحرية تستهلك قوتها بسرعة أكبر من قدرتها على تعويضها.
وتخلص وول ستريت جورنال إلى أن أزمة الجاهزية البحرية سبقت عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مثلما أن أزمة الذخائر لم تكن وليدة الحرب مع إيران. لكن قرار خوض الحرب كشف حجم هذه المشكلات أمام الرأي العام، ووضع الولايات المتحدة أمام تحد طويل الأمد لإعادة بناء أسطولها وتجديد مخزونات أسلحتها.
وهنا تلتقي الصحف الأربع عند الخطر الأكبر: إذا احتاجت واشنطن إلى سنوات لاستعادة مخزوناتها، فقد ترى الصين في هذه الفترة فرصة محدودة للتحرك ضد تايوان، بينما تواجه أوكرانيا شتاء صعبا، وتظل القوات الأمريكية موزعة بين أكثر من مسرح.
وبذلك لا تبدو حرب إيران مجرد استنزاف عسكري مؤقت، بل هي اختبار لقدرة الولايات المتحدة على إدارة أكثر من أزمة إستراتيجية في وقت واحد.
المصدر: تايمز + فايننشال تايمز + نيويورك تايمز + وول ستريت جورنال