أخبار العالم

محمد رويشة .. عندما خطف “عراب الغناء الأمازيغي” قلب الملك الحسن الثاني



تابعنا في الحلقتين السابقتين تفاصيل “الليلة الحاسمة” في مسار الفنان الأمازيغي محمد رويشة، بحيث قربنا الأرشيفيست المكي أكنوز من سياقات الوصول إلى مسرح محمد الخامس بالرباط مطلع الثمانينيات؛ وعرجنا على حضوره خلال تلك السهرة التي جعلت فئة من الجمهور تجلس في الأدراج، وأماكن العبور؛ وهناك من تابع الحفل واقفا في زوايا المسرح.

في هذا الجزء الثالث، نواصل مع أكنوز نبشه في ذاكرة رويشة، التي تَشكَّل وهجها وألقها بناء على الأداء الذي فاق العادة من طرف “فريد الأطلس”، في تلك الأمسية، بشكل جعله يحظى بشعبية أكبر وقتها، وهو ما حوله تدريجيا إلى رقم صعب في عوالم الفن المغربي الأمازيغي والشعبي، وتمكن من المشاركة لاحقا في سهرات عالمية ذات أهمية كبيرة وفي أمسيات داخل القصر الملكي.

من المسرح إلى القصر

يقول المكي أكنوز: “بدون مبالغة، فسهرة رويشة الناجحة التي أثارت انتباه جمهوره لم تكن عادية، فقد كانت بمثابة جواز سفر له للمرور إلى عالم الشهرة إقليميا ووطنيا وعالميا، فبعدها قام بإحياء سهرة على مسرح “زينيت” بباريس؛ وهذه الشهرة عبّدت الطريق أمامه للدخول إلى القصر الملكي بالصخيرات للغناء في حضرة الملك الراحل المغفور له الحسن الثاني”.

وينقل أكنوز عن رويشة قوله التالي: “توصلتُ بهاتف من الديوان الملكي بقصر الصخيرات بالرباط، قصد المشاركة الفنية لإحياء مختلف الحفلات التي تقام بمناسبة عيد الشباب بحضور كل من الفنانين: حميد الزاهر، مجموعة ناس الغيوان، والفنان الحسين باز. دخلنا الصخيرات حوالي العاشرة ليلا، فقمنا بتغيير ملابسنا داخل السيارة، وأخذنا المسؤول الأمني إلى الفضاء الداخلي”.

ويضيف الفنان الراحل: “إنها أول مرة أدخل فيها إلى القصر، حيث وجدنا صاحب الجلالة واقفا ينتظرنا قائلا ‘فين هاد الفنان ديال خنيفرة’”، وتابع الباحث: “هكذا أحس رويشة بفرحة عارمة، فقبل يد الملك. وبعد ذلك سأل الملك رويشة: أنت تعزف على آلة وترية، فرد: نعم سيدي”. وزاد رويشة: “بعد تبادل الكلام في أمور فنية أمر لجنة خاصة بإعداد كل ما تتطلبه فرقتي الموسيقية، وبعدما تم ذلك طلب منا الحضور، فسلمت عليه مرة أخرى، وطلب مني أن أقدم له الآلة الوترية… تمكن من فحصها بدقة، وهذا ما جعله يسألني عن مكوناتها، فكان جوابي: ‘من خشب الأرز وجلد الماعز يا مولاي’”.

ومضى رويشة ساردا: “قال الملك: ‘هذه آلة مغربية أصيلة’، فبدأ يسألني عن عدد من الأمور التي تتعلق بالفن الأمازيغي، ولا أخفيكم سرا أنني أحسست بكوني في امتحان حقيقي، وليس أمام ملك فحسب، بل أمام فنان يحب كل ما يتعلق بالفن وشؤونه، فله دراية واسعة بعالم الموسيقى والفنون. واسترسل في طرح أسئلته، وكنت أجيب. كان له فعلا بعد نظر وحس. وبعد الانتهاء من هذه الجلسة الحوارية عدت إلى مكاني”.

عندما وصل دور “أمير الوتر” صعد المنصة، فأدرك، كما يحكي، أنه ليس من السهل العزف أمام الملك الراحل الحسن الثاني، بل حتى الوقوف في حضرته، وبطبيعة الحال استلزم منه الوضع أن يخلق جوا مفعما بالإبداع والغناء، لذا اختار قطعة: ابْدِيخْ إِسًكْ أَسِيدِيً يَرْبِّي جُذْ غيفي .. إِلاَّ غُورْشْ أَيْنَارِيخْ بْلاَ ثُوذْمَاوِينْ .. أُورْ إِخُلْصْ أَوْدْيُوكْ إِسِيدِي ثِنْبَاضِينْ .. أَرَا عَاوْدْ أيمِي سِوْلْ مگَّا الزْمَانَ .. إِوَالِوْنْ أَدْتِّنِيخْ أخْسْ وِنَّا جْرَانِينْ .. إِوَالِوْنْ أَدْتِّنيخْ إِخْسْ وِدَّ زْرِينِينْ..

وعندما أنهى الفنان نادى عليه الملك الحسن الثاني فحاول ترجمة القطعة إلى اللغة العربية، فأجابه الملك: “لقد فهمت القصيدة وأدركت مقاصدها”، واستفسره العاهل المغربي: “علاش ماكتغنيش بحال هاذ الكلام؟”، فأخذ الملك يردد قائلا: “باسم الله مفتاح الكلام.. سبحانو من لا ينام .. الله اجمع المؤمنين .. صليو على النبي كاملين .. يا الجواد الحاضرين صليوا على بو فاطمة .. بسم الله نفتح الكلام .. سبحان من لا يسهى ولا ينام .. مول القدرة مول الحكام”.

فكان رد رويشة كما ينقله عنه أكنوز: “يا مولاي، هذه الكلمات لم أسمعها من قبل، ولا أحفظها”، فقال له الملك: “إنني جد متأكد أنها ستكون رائعة إذا أديتها بعزفك وصوتك”؛ فأخذ القصيدة، وسجلها لدى شركة للإنتاج بالدار البيضاء. ويقول “فريد الأطلس”: “كنت أجهل قواعد البروتوكول التي تقتضي مني أن أقدم القطعة إلى الملك شخصيا قبل الشروع في عملية التسجيل؛ ولقد تأكد لي ذلك حينما التقيته في مناسبة أخرى، وبطبيعة الحال علم أنني سجلتها لشركة الإنتاج”.

الملك والأداء الفردي

سيطلب الحسن الثاني مرة أخرى من رويشة أن يغني هذه الأغنية على آلة الوتار فقط بدون فرقة، وعند بداية هذه القطعة خيم الهدوء، واتجهت آذان وعيون الحضور نحو العزف والأداء معا، ما جعل القصيدة تصل سريعا إلى القلوب فتنفذ إلى الأفئدة. يقول الباحث: “أثار عزف رويشة انتباه الملك والحضور، فأداؤه لهذه الأبيات الرائعة لم يكن عاديا، بل كان مبهرا غير بعيد عن طغيان البعد الصوفي، المفعم بالابتهالات والمديح الديني، فقد جمع بين المقام الروحي العرفاني الموجود في قصيدة ‘التوبة’، والمقام النغمي الموسيقي في أدائه المتمثل في الألحان المستخرجة من آلته الوترية، وجمال أدائه وعذوبة صوته”.

بحكم ذكاء الحسن الثاني وقدرته على تذوق الفن الموسيقي، أخذ يذكر الفنان محمد رويشة ببعض الأبيات الشعرية من القصيدة التي تعرضت للحذف، وعندما علم أن حذفه إياها لم يكن استجابة لأهوائه، بل إن هناك دواعيَ فنية اقتضت، تقبل الأمر. وعلى كل حال فالملك أدرك أن الفنان رويشة أبدع في أداء هذه القصيدة التي عنوانها “التوبة”، وهي من إبداع الشاعر “سيدي عمر اليوسفي الفيلالي”، والمعروفة بـ”جْمع المومنين”.

أدى الأمر إلى أن أصبح حضور رويشة في مناسبات عدة أمرا مألوفا لدى الملك، وفق أكنوز، وهذا كله أفضى إلى تكريمه وتشجيعه، ومن ثم صقل وإغناء تجربته الفنية. وهذا ما صرح به رويشة قائلا: “منذ ذلك الحين بقيت أتردد على القصر الملكي في المناسبات، ويشرفني الملك الحسن الثاني بدعواته الكريمة؛ لقد استفدت من توجيهاته وسأظل مدينا له… كنا نتجه إليه لنسلم عليه، ونستمع إلى توجيهاته وملاحظاته السديدة. ومن هنا بدأت أبحث عن الأفضل والأحسن، خاصة وأنني لم أكن أحلم أبدا في حياتي بأنني سأحظى باهتمام من لدن الملك الحسن الثاني”.

لكن، ألن ينعكس هذا التقدير الكبير من الملك في خدمة القضايا الوطنية عن طريق الأغنية، على رأسها قضية الصحراء المغربية؟ هذا ما سنجيب عنه في الحلقة الرابعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى