المافيا والدولة

الجمعة 19 يناير 2024 – 12:21
هذا عنوان لكتاب ضخم، يجتمع فيه السياسي بالاقتصادي مع الاجتماعي والنفسي، ينطلق من الأفراد ليمسّ الجماعات ثم الدولة بجميع أجهزتها. لكننا سنتناول من ذلك عنصرا واحدا صغيرا يتعلق بجانب التوازن بين المافيا والدولة. متى تكون المافيا جزءا من النظام ومتى تكون المافيا هي الدولة؟
المافيا هي عنوان الجريمة المنظمة، التي تشتغل خارج القانون، أو تتخفّى أو تراوغ أو تتحدى، وقد تواجه الدولة بالقوة إلى أن تتولى القيادة تحت مسميات كثيرة: ثورية، وطنية، قومية، وأحيانا تلبس قناعا ديمقراطيا. غير أن ما يميزها هو العنف الشديد الذي تواجه به أعداءها، منافسين، قضاة، سياسيين، رجال سلطة، أو ما شابه ذلك. وبدرجة أقل، تلجأ المافيا إلى أساليب أخرى كالإغراء المادي أو صنع فضائح للمستهدفين وابتزازهم بعد ذلك.
في إيطاليا، توسعت المافيا وبسطت سيطرتها على البلد، وتغلغلت في دواليب الدولة، حتى إن رئيس وزراء مثل أندريوتي كان مشتبها فيه وتعرض لمحاكمة مشهورة. ولم تسقط الدولة تماما تحت أنياب المافيا لكنْ كانت بينهما حروب كثيرة انتهت بانتصار الديمقراطية الإيطالية في السنوات الأخيرة، علما أن الشبهة تظل دائما مرافقة للسياسيين الذين يستعملون أسلوب المافيا دون التحالف معها، مثل بيرلوسكيني.
في روسيا، جمع الرئيس بوتين حوله بقايا جهاز الكاجيبي وصنع دولة مافيوزية تشتغل بواجهة مزدوجة، ديكتاتورية/ديمقراطية، فأصبحت البلاد دولة قوية عسكريا (الترسانة النووية خاصة) ضعيفة اقتصاديا، تعيش على ريع الغاز والبترول وعلى الاستثمارات المشبوهة لأفراد المافيا الواسعة الكبيرة. الأمر نفسه يمس دولا شبه مافيوزية، مثل ألبانيا ومونتينيجرو وكوسوفو، حيث أدى تضخم المافيا إلى استئساد واضح غير خاضع للقانون. وقد توجد شبكات مافيوزية خطيرة وعنيفة دون أن تعلوَ على دولة القانون، مثل ما يوجد في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكولومبيا والبرازيل والإكوادور وغيرها.
من هنا نفهم التوازن الخطير الذي يحكم الدولة بالجريمة المنظمة بجميع أنواعها، مخدرات، أسلحة، إتاوات، ابتزاز… كلما ضعفت الدولة تناسل الفساد المافيوزي وتكاثرت أذرعه وأصبح أخطبوطا يملك كل شيء، لكن حين تظل دولة الحق والقانون والمؤسسات قوية صاحبة الكلمة العليا، يحدث تقزيم لهذا الفساد بشكل دوري، ويستعيد الناس الأمن والسلام الاجتماعي.
لا توجد مافيا داخل المغرب تستعمل العنف المافيوزي لكنها تتبع الأساليب الملتوية التي تحدثنا عنها سابقا. صحيح أنه توجد مافيا مغربية قوية في هولندا وبلجيكا، لها ارتباطات ببعض أباطرة المخدرات في الشمال، لكن دون التمكن من تحدي الدولة أو مواجهتها. هي مافيا تظهر وتختفي، خاصة حين تأتي حملة جادة فتقتنص رؤوسها ثم تنبعث بعد ذلك، فيما يشبه لعبة “كاش كاش”. ولعل قضية “إسكوبار الصحراء” مثال على ذلك.
نحن اليوم، في حدود ما نعلم، لم نصل بعد إلى مستوى تحكم المافيا في أجهزة الدولة، لأن شراء القضاة والوكلاء ورجال السلطة والسياسيين لم يتحول بعد إلى ظاهرة فوق القانون بشكل جلي واضح؛ فضائح هنا وهناك يتم احتواؤها “ومريضنا ماعندو باس”، إلا أن أي تراخٍ أو تطبيع أو تساكن مع هذه الظاهرة ستكون له عواقب وخيمة، من حيث إن البلاد يمكن أن تُنجَزَ مشاريعها الكبرى بالتبييض الواسع ونحن لا ندري، بل قد نصفق-بنية حسنة-للمشاريع الهائلة التي أصلها فساد، وما بني على فساد مآله السقوط والانهيار. وكأننا نبني قصورا من الرمال، ليتبين لنا بعد انقشاع السراب أننا كنا نمشي إلى الخلف.