الكتابات القصصية للراحل إدريس الخوري “تصعد من الأرض ولا تنزل من السماء”

1
قد تكون لظروف نشأة الكُتاب أدوار فاعلة في تحديد مبرّرات الكتابة لديهم (عن قصد أو بدونه لا يَهُم)، لأنها منبع الوعي بقيمة التعبيرات الأدبية والثقافية التي تُغْني الوجدان والمشاعر، تجد صداها فيما يكتبه الكاتب من نصوص تبقى عالقة في الذاكرة بأحداث ووقائع عاشها أو سمع عنها؛ أبسُطُ هذا الرأي وأنا على عِلْم بحكمة للعَلاَّمة أمبرطو إيكو مفادها أن “الحياة الخاصة للمؤلفين الفعليين لا يمكن سَبْر أغوارها، وهي في ذلك شبيهة بنصوصهم”. هكذا، تبقى لكُلِّ حكاية كائنات ومرئيات لعلها رجْعُ حنين وملاذُ إقامة لكل تليد وطريف، تستعيده ذاكرة الكاتب وتلتقطه العَيْن.
زَمَنُ الكاتب هو زمَنُ الكتابة، مزيجٌ من الذّاتي والغيْري والعابر والظرفي، والتاريخي والحلمي والعجيب، وبعض ممّا تخثّر في القلوب ومسامّ الجسد.
هذا ما يجعل-في تقديري- كل كتابة مشروعاً للوجود؛ الكتابة الحاملة للبلاغة والأسلوب والنَّباهة، لا تلك العَجْلى والباردة والخالية من أيّ معنى أو ذوق فنّي. يعلَمُ الكاتب-بالاقتناع والتجربة-أن الأمْر عِمَادُه رحَابة الخيال والثقافة والمَوهبة، وإقامة معنى الكتابة بين حدود المُسْتحيل والمجهول.
2
في الفقرة السالفة جملة أفكار عابرة كانت مدار حديث بيني وبين محمد الأشعري وعبد الحميد عقار لما تحلّقنا حول مائدة غداء اعْتدنا بين الفينة والأخرى تَرتيبها كلما سمحت الظروف؛ نتحدث حول هموم الوقت ومشاغل الحياة.
كان اللقاء هذا الأسبوع لطيفا كالعادة، ممتعا كما عهدنا. جَرّنا الحديثُ-لحظة-لتبادل الرأي حول الكتابة والأدب في صلتهما بنبض المجتمع وما أضافه هذا الكاتب أو ذاك لتجربته الشخصية ولذخيرة الأدب المغربي المعاصر، حضر اسم إدريس الخوري باعتباره كاتبا استطاع أن يرسّخ اسمه بتميز في كتابة القصة، وكان مُختصر حديثنا أن الخوري كتب نصوصا قصصية بديعة كانت تصعد من الأرض ولا تنزل من السماء. استحضرنا هذا الكاتب الرائع من غير أن ننتبه إلى أن ذكرى رحيله قريبة جدا، فقد توفي يوم 14 فبراير 2022.
يا لها من صدفة!
3
عدتُ نهاية الظهيرة إلى البيت وجملة أفكار تدور في خاطري.
ما أبدعه بّا دْريس يحتاج منا إلى إعادة القراءة؛ كان الخوري يمتلكُ قدرة استثنائية على التقاط الوضع المُفارق والمتردّي بكلام ساخر امتلك ناصيته منذ أيام إقامته بـ”درب غلف” وحيّ “المعاريف”، مرورا بالكتابة الصحفية التي عانقها منذ مطلع الستينات كاتبَ رأيّ أدبي ومُحررا لمُراسلات عن شؤون المجتمع والثقافة في كل من مجلة “الأطلس” وجريدة “العلم”، وكان هذا التّعلق بالكتابة الصحفية سبيلا لمعانقة الأدب القصصي، وقد أثمرَ مجموعته الأولى “حزن في الرأس وفي القلب”، التي قدمته كاتبا يمتلكُ لغة خاصة أكثر مما تمتلكه؛ لغة تحتفل باليومي والعابر راصدة لأحلام وأحوال البسطاء لا منكفئة على ذاتها بحثا عن شكل أدبي مُسْتنسخ. هكذا كتب الخوري نصوصا أدبية شفافة ودافئة مُفعمة بالحياة رغم قساوة الشرط الاجتماعي الذي يلفّ أعناق شخصياتها من جراء القَهر، والخيبة، والخسارة، والحرمان.
لم يجعل إدريس الخوري من الكتابة الأدبية مَلمحا لمرحلة هيْمنت عليها شعارات المثقف العضوي، والالتزام، والواقعية والموضوعية وسواها من الشعارات، بل كانت أساسا صدى لحسْرة وتنهّد بمن ضاقت بهم الدّنيا، وبهذه القناعة ظل دائما يردّد: “لست كاتبا محترفا على الطريقة الغَرْبية، أنا كاتب مِزاجي”.
4
بّا دْريس؛
ما زال الحزن في الرأس وفي القلب منذ غادرتنا، بل إنه ازداد حِدّة مع تنامي أخبار الحمقى والمغفلين المنتشرة بيننا هذه الأيام، تأكدَ لي الأمر وأنا أعيد قراءة فقرات من نصوصك القصصية؛ كانت لديك نبوءة العارف بأحوال من يُكابد ويُعاني. ولذلك لا أجد نُصوصكَ اليومَ ساخِرة ومَاكرة، أجدُها مليئة بالحُزن، بَل بالأحزان التي تتكشف من مواقع الحنين إلى عوالم الطفولة ومصائر البسطاء في حياتهم اليومية والمألوفة وهم يقاومون السّلطة والمَوت والفَقر.
هكذا امتصّتْ نصوصكَ أيامكَ ولياليكَ.
من هنا أيضا اهتمامُكَ بالفنون المسرحية والسينمائية، بحيث بقيتَ مواظبا على زيارة فضاءاتها، مثلما حظي الفن التشكيلي باهتمامكَ وخصصتَ له بعض كاتباتكَ جمعْتَها في “قريبا من النص بعيدا عنه”، و”كأس حياتي”، مما كان له تأثير بالغ على كتابتكَ القصصية في ملمحيْها المشهدي والتشخيصي خاصة.
لم يكن إدريس الخوري منفصلا في كتابته عما كان يعيشه مع المحيط وبين الناس، فقد كان يبني قصصه انطلاقا من اللقطة العابرة والمشهد المُثير، فالقضية-كما قال ذات مرة-ليست أن تكتب أي شيء تراه أو تتذكره، وإنما الكتابة بحث دائم عن التباس مختلف الحالات الإنسانية في الحياة، وهذا ما أبان عنه في مقدمته لمجموعته القصصية “ظلال” حين كتبَ: “الكتابة في جانبها الحكائي القصصي، والروائي أيضا، نميمة مقروءة لأنها تقوم بعملية الإخبار عن أشخاص كناهم وسيكونون في زمان ومكان محددين ذهنيا (…) وهي تستمد مشروعيتها من واقعها، ولأن هذا الواقع جد متشابك، تصبح الكتابة-النميمة وسيطا بيننا وبين واقع كان وسيكون”.
أبدعتها بّا دْريس؛ الكتابة نميمة.
بِدُعابةٍ وتواضُعٍ منحتَ عُمركَ كله لشرف الكلمة، كتبتَها برُموش العَيْن وَأنامل اليد.