قرار “حظر استقدام الأئمة” لا يشمل المغرب

تستعد فرنسا لقرار وقف استقدام الأئمة الأجانب من الدول الأجنبية، من بينها المغرب، الأمر الذي يسلط الضوء على مستقبل التعاون الديني بين الرباط وباريس ومدى تأثير هذا القرار على مؤسسات التكوين الديني المغربية.
وتعتزم باريس، وفق رؤية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لسنة 2020، إقرار تكوين محلي للأئمة، وأيضا منع دفع رواتب لهم من دول أجنبية، ما يجعلهم يفقدون صفة “الموظف الحكومي”.
ويعد المغرب من أبرز مدارس تكوين الأئمة في العالم، نظرا لمساهمته الكبيرة في ترسيخ الفكر الإسلامي المعتدل في الخطاب الديني، الأمر الذي جعل أوروبا، وخاصة فرنسا، تعتمد عليه بشكل كبير.
وفق آخر الأرقام الرسمية التي أعلن عنها أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، فإن “عدد الطلبة الأجانب المنحدرين من الدول الإفريقية الذين استفادوا من التكوين بمعهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات منذ سنة 2015 إلى متم 2022، بلغ ما مجموعه 2798 طالبا وطالبة، من جنسيات تسع دول”.
وبحسب المصدر ذاته، فإن “المغرب في رمضان الأخير قام بإيفاد 400 إمام وواعظ ديني إلى 9 دول”، وهو الرقم الذي من المرتقب أن يتناقص في ظل الحظر الفرنسي الجديد.
مرجع 2015
محمد موساوي، رئيس اتحاد مساجد فرنسا، قال إن “مرجع التعاون المشترك بين المغرب وفرنسا في الشؤون الدينية هو التصريح المشترك الذي وقعه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، من جهة المغرب، ووزير الشؤون الخارجية، لورون فابيوس، من جهة فرنسا، وذلك بالقصر الملكي بطنجة يوم التاسع عشر من شهر شتنبر 2015، بحضور الملك محمد السادس، والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند”.
وأورد موساوي، في تصريح لهسبريس، أن “هذا المرجع ثمّن التدين المغربي المتسم بالوسطية والاعتدال، وأثنى على مستوى ونوعية التكوين الذي يوفره المغرب في معاهده ومؤسساته، منها معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات بالرباط”.
ولفت رئيس اتحاد مساجد فرنسا الانتباه إلى أن “هذه القناعة الفرنسية لم تأت من فراغ، وإنما هي مبنية على ما تقرر عند كثير من الملاحظين في نجاعة تدبير الشأن الديني بالمملكة المغربية بصفة عامة. ثم إنه قد تم وضع آلية لهذا التعاون تحت إشراف لجنة مشتركة وبالتنسيق مع جمعية اتحاد مساجد فرنسا”.
واعتبر المتحدث ذاته أن “هذا الاتحاد له قناعة بأن الأولوية ينبغي أن تعطى لتكوين أبناء وبنات فرنسا للإمامة والإرشاد بدل استقدام الأئمة من الخارج، ولو من أعز البلدان الصديقة كالمغرب، إذ ينبغي العمل من أجل الوصول إلى الاكتفاء الذاتي، وهو السبيل الوحيد لحفظ الهوية الإسلامية لمسلمي فرنسا، كما أن الاعتماد على الأخر، ولو كان من أعز الأصدقاء والأحباب، ليس من ثقافة المغاربة، وإنما الاعتماد على النفس والانفتاح على الآخر هو السبيل الأرشد”.
المغرب تجاوز الأمر في 2015
“لذلك، تشرفت بطلب المساعدة من أمير المؤمنين، محمد السادس، أن يستقبل أفواجا من شبان وشابات فرنسا للتكوين في معهد محمد السادس بالرباط، وكانت الموافقة الملكية السامية فورية، بل وأكثر مما كنا نتصور، (…)، وهذا التصرف الملكي يدل على بعد نظر أمير المؤمنين وشدة اهتمامه بالجالية المقيمة بالخارج”، يورد موساوي.
وشدد المتحدث سالف الذكر على أن “هذا الاختيار، أي تكوين أبناء فرنسا وليس استقدام أئمة مغاربة هو اختيارنا، لذلك ما صرح به رئيس الجمهورية ماكرون في 2020، وذكر به وزير الداخلية دارمنان هذه الأيام، كان المغرب قد تجاوزه في 2015”.
ومضى شارحا: “مبدئيا، القرار لا يمنع استقدام أئمة من الخارج، وإنما يمنع استقدام أئمة لهم صفة موظفين لدولة أجنبية كما هو الحال بالنسبة للأئمة الوافدين من الجزائر، وعددهم 120، ومن تركيا وعددهم 150، بينما الأئمة المغاربة الذين أوفدهم المغرب في سنة 2009، وعددهم 30، لم يكونوا موظفين للدولة المغربية، وإنما لهم عقد مع جمعيات فرنسية، بمعنى آخر أن المغرب لم يكن أبدا معنيا بالقرار الفرنسي، لذلك لما صرح الرئيس ماكرون بالقرار في 2020، ذكر الجزائر وتركيا ولم يذكر المغرب. وكذلك الرسالة الأخيرة لوزير الداخلية، فقد أرسلت إلى تركيا والجزائر ولم ترسل إلى المغرب”.
وخلص موساوي إلى أن “هذا القرار قد تحس من خلاله الدول المعنية (المغرب ليس معنيا) باتهامها بالتدخل في الشؤون الداخلية الفرنسية وانعدام الثقة المتبادلة، ما قد يحملها على مراجعة جميع الاتفاقيات المبرمة مع فرنسا، خصوصا على المستوى الثقافي والمؤسسات التعليمية الفرنسية المتواجدة بهذه البلدان، الأمر الذي قد يترتب عنه انحسار جزء من العلاقات الأساسية مع هذه الدول”، مشددا على أن “المغرب غير معني في الوقت الراهن بهذا القرار، وقد عبر بشكل واضح وفي مرات عدة عن احترامه للسيادة الفرنسية، وعدم تردده في التجاوب بشكل موضوعي مع هذا المبدأ”.