أخبار العالم

التنسيقيات .. اللاعب الثالث



ينظر الوزير بدهشة إلى الزعيم النقابي يرافع في مجلس المستشارين ضد النظام الأساسي الجديد لموظفي وزارة التربية الوطنية.

كان الوزير شكيب بنموسى مصدوما بشدة وهو تحت الكاميرات- خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين- من خطاب النقابي الذي لم يكن بهذه الحدة قط لأنه تحت الكاميرات وهو يخاطب جهة ثالثة وليس الوزير.

فمنذ يناير 2023 والأجواء طيبة والمقاربة تشاركية توافقية ودية حبية حلوانية والنقابات بخير ووزير التعليم ماض في صياغة بنود النظام الأساسي، ومن بعيد يسمع قرع طبل حزب معارض يستعد لدخول الحكومة الليبرالية.

الحكومة والنقابات تتفاهمان. الحزب يدعم من تحت. اللاعبون التقليديون يقودون المشهد والأمر محسوم.

تم تمرير النظام الأساسي وصدر في الجريدة الرسمية بسرعة البرق 9-10-2023 قبيل العطلة المدرسية وبعدها انتفضت الشغيلة التعليمية بقيادة التنسيقيات 13 التي يعتبر “واتساب” مقر عملها 24 ساعة على 24، وقد دعت إلى وقفات وإضراب ثلاثة أيام، وتهدد بإضراب مفتوح…

لهذا السبب “تسيّف” النقابي ضد الوزير وهو يرى تنسيقيات الأساتذة ترفع السقف وتجر الآخرين خلفها. تجر الوزارة والنقابات إلى جدول أعمال لم يكن في الحسبان.

يقول المثل المغربي: “اللي كيحسب بوحدو كيشيط ليه”.

الواقع أن هناك الكثير الذي ينقص ولا “يشيط”.

فجأة قررت النقابات أن تكون أكثر راديكالية من التنسيقيات لاسترداد المشعل.

ليست هذه أول مرة يبرز فيها تنظيم جديد بلا قيادة مركزية ويتجاوز التنظيمات التقليدية التي هرمت قيادتها وترهلت بفضل النّعَم. سبق لحركة المعطلين أن فرضت نفسها. كانت الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب قوة ميدانية جد مؤثرة بين 1991 و2003 حتى صارت تستقبل رسميا.

لكي لا يتكرر مثل هذا الاكتساح التنظيمي قررت النقابات أن تكون أكثر راديكالية من التنسيقيات لاسترداد المشعل.

فوجئ الوزير بالتراجع وبقوة الإضراب الذي دعت إليه التنسيقيات.

لاسترجاع المشعل، للالتفاف على هذا الوضع الجديد تذكر الوزارة النقابات بمنهجها التشاركي.

حسب منطق وزير التعليم، وزير الداخلية الأسبق، يجب على النقابات ألا تضارب بموقفها.

لكن السياق تغير، هناك تنافس على من يمثل الشغيلة التعليمية. تنافس بين لاعبي السياسة في المكاتب الرباطية المكيفة ولاعبي السياسة في الشوارع حيث الشمس والغبار.

يقع تنافس بين من يتحرك في الشارع وبين من له مكاتب في الرباط وعلى صلة بالحكومة ويتحصل على الامتيازات مثل التفرغ وتوصيات المناصب وغير ذلك من أنواع الرضاعة البيروقراطية.

هذه التنظيمات هي التي تحوز الشرعية والمنافع بالأقدمية وبالرخص. لذلك كانت المقاربة تشاركية مع الوزير.

ثم تشققت الأرض وخرجت تنسيقيات جديدة لا وثائق لها. بالنسبة للنقابات فالتنسيقيات لاعب جديد غير شرعي في المشهد يجب نزع مشعل قيادة الاحتجاج منه حتى بالتنكر لما قيل للوزير سابقا.

وحاليا تجري حرب على الرأي العام.

هذه الحرب أريد لها أن تتمأسس، لذا تم عقد جلسة سريعة في مجلس المستشارين بين الحكومة والنقابات. لم تصل التنسيقيات الجنينية إلى هذه المؤسسة ولن تصل.

هذا درس تنظيمي يستحق أن يدرس ضمن “علم اجتماع التنظيمات”.

يستمع الوزير بدهشة للنقابي الذي شرب حليب السباع في البرلمان. يقول النقابي: “لم نوقع على النظام الأساسي، بل وقعنا على محضر 14 يناير 2023، الذي جاء بالمبادئ المؤطرة للنظام”. قرر النقابي رفض النظام الأساسي لموظفي قطاع التربية الوطنية لأنه نظام “ضرب المنهجية التشاركية”، وهو نموذج “للانفراد بتمرير النظام الأساسي”.

يتحدث النقابي بمعجم 1990 ويزعم أنه خدع ويقول إنه وقع على عموميات فنشرت تفاصيل وخصوصيات.

لذلك فالنقابي غاضب ويطالب أمام الكاميرات بضرورة حماية الطبقة الوسطى في الحوار الاجتماعي القطاعي، أي بين كل وزير وموظفيه. وزير الصحة يفاوض الممرضين. وزير الفلاحة يفاوض الفلاحين. وحده رئيس الحكومة ليس لديه من يفاوضه.

ولماذا ليس حوار بين النقابات والحكومة دفعة واحدة؟

الجواب: الحوار الاجتماعي القطاعي غير متزامن، أي سياسة فرّق القطاعات تسد.

ثم تشققت الأرض وخرجت التنسيقيات كلاعب ثالث.

فقرر الوزير أن النظام الأساسي يحتاج تفسيرا. ويعد بأن هناك، مستقبلا، خمسة مراسيم وعشرين قرارا قادمة للتنزيل. 25 قانونا وهذا سيطرح تفاصيل جديدة ستثير خلافات أكثر.

لذلك تم وضع التعديل الحكومي وأخبار مدونة الأسرة في الثلاجة لمواجهة الوافد الجديد.

يقول الوزير: “لم نقم بصياغة النظام الجديد وتقديمه للشركاء الاجتماعيين إلا بعد تسجيل كافة الاقتراحات والملاحظات الواردة من طرف النقابات بخصوص تنزيل اتفاق 14 يناير 2013، الذي هو الإطار المرجعي”.

ترمي النقابات الكرة في ملعب الحكومة. تقول النقابات إن الوزير أصدر القانون قبل الرجوع إليها. هنا صنع اللبس، فالوزير سجل ملاحظاتهم في كراسه وهم فهموا أنه سيدمجها في النظام.

كل واحد يتهم الآخر بالتراجع وعينهما معا على اللاعب الثالث، لذلك ستكون الحكومة والنقابات بحاجة لتنظيم صفقة سريعة تقر النظام الأساسي وتزيد الأجور لسحب البساط من تحت أقدام اللاعب الثالث، أي التنسيقيات.

ومن سيسهّل الأمر سوف يحصل على جائزة في التعديل الحكومي القادم لتتفرغ الحكومة والولاة تماما لتوفير تجهيزات كأس العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى