أخبار العالم

مواعيد قاتلة


كاريكاتير: عماد السنوني

علي الوكيليالسبت 17 يونيو 2023 – 12:36

قبل خمس سنوات، فوجئت ذات صباح بوجود أجسام صغيرة سوداء تحتل بصري بكل إصرار وتحُول دون الرؤية الصافية للعالم؛ فذهبت عند طبيب مختص في جراحة العيون فطمأنني بأن هذه الفراشات السوداء الصغيرة لا علاج لها، وبأن عليّ أن أستأنس بها بقية عمري، لكن هناك ما هو أخطر من ذلك، ونصحني بالذهاب إلى مصحة خاصة في الرباط لتكشف لي عن الأمر.

قصدت المصحة، وطلبت موعدا عاجلا فسخرت مني الممرضة وقالت مبتسمة: “كل هذه القيامة من الخلائق عندها حالات مستعجلة”، ثم أعطتني موعدا على بعد 4 أشهر. وحين رجعت إلى المصحة، وكشفت الطبيبة على عيني، صرخت مستنكرة “تعطلتي آلشريف، راه شوية وما يمشي لك النظر”، وحين شرحت لها سبب ذلك وسخرية الممرضة قالت: “كون اتصلت بيَ شخصيا، هاد الشي ما فيهش اللعب”. وتبيّن أن شبكية العينين كانتا على وشك التمزق الذي ليس بعده سوى الظلام؛ ثم عالجتني بالليزر وذهب الخطر.

عندي قصة أخرى لموعد آخر، لكن هذه المرة لم تسلم الجرة. قصة السيدة ن.م التي لاحظ الطبيب أن هناك تورما غير عادي في ثديها ونصحها بتحليل إشعاعي قبل الحسم في الموضوع، لأنه لا يمتلك الأجهزة المتطورة. وبما أن السيدة متواضعة المستوى الاجتماعي فإنها قصدت مركز الأنكولوجيا التابع لوزارة الصحة في المدينة، فطلبت موعدا هناك فحددوا لها ستة أشهر انتظارا، ولم ينفع في ذلك شرح ولا توسل ولا بكاء ولا وثائق الطبيب التي تثبت خطورة الأمر، فتدهورت حالتها بسرعة حتى وافتها المنية.

قصص أخرى لمواعيد أخرى قاتلة أو مُفقِدة للبصر أو السمع أو مؤبِّدة لعاهة ما نسمعها هنا وهناك ونكاد نطبّع معها، لولا أن الأمر يفضح عيبا كبيرا في نظامنا الصحي المتدهور. تحتاج اليوم إلى معجزة لتأخذ موعدا ملائما لخطورة حالتك في القطاع الخاص أما العام فذلك دونه عينٌ حمئة. لماذا كل هذا إذن؟.

قلة الأطباء ذوي الاختصاص في القطاع العام بسبب تفضيل العمل خارج المغرب؟ عدم تناسب البنيات التحتية الصحية مع حاجيات 38 مليون مغربي؟ الفوضى المنظمة للمستشفيات الوطنية (الرشوة حتى في إعطاء المواعيد)؟ إحساس الحكومات بثقل هذا القطاع على الميزانية العامة واعتباره قطاعا غير منتج؟ الكلفة الباهظة للاستشفاء في مصحات ومستشفيات القطاع الخاص؟ أم هو كل هذا مجتمعا؟.

عشرات المغاربة يموتون بأمراض مختلفة بسبب المواعيد البعيدة، والحكومة تتفرج، تعتبر نفسها غير مسؤولة، “بيناتكم آبيضاوة”. إذا كان الأمر هكذا فلماذا توجد سيارات الإسعاف التي تطلق صفاراتها بين الشوارع بسبب الحالات المستعجلة؟ ألا يعتبر المرض القاتل أمرا استعجاليا؟ أم إننا نتحايل على سيارات الإسعاف هذه فنستدعيها لنمر عبر بوابة الطوارئ، فنضيف النصب والاحتيال إلى المرض العضال؟.

يستطيع المغربي التجول اليوم في المدن الكبرى ليرى طوابير المواطنين أمام عيادة طبيب في الفجر وقد نظموا أسماءهم في ورقة حسب الوصول إلى المكان، وإذا تأخرتَ حتى طلوع الشمس سيكون رقم ترتيبك 189 أو أكثر. ماذا يقع في البلاد؟ نرى هذه المأساة ولا ننفعل ولو بالسؤال، ماذا وقع لنا؟ هل نسلم أنفسنا للموت؟ ثم ما فائدة التغطية الصحية إذا لم تكن هناك مواعيد معقولة؟ فكرنا في التعويض المادي عن العلاج ونسينا ظروف هذا العلاج. ولا عزاء للمرضى من فقرائنا إلا الصبر.

التغطية الصحية المنظومة الصحية المواعيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى