السعودية وآفاق الشرق الأوسط الجديد
في جانب آخر فليس خافيا أن حالة التيه التي عاشها العرب بوجه خاص قد جاء موافقا للرغبات الإسرائيلية الهادفة إلى تشكيل شرق أوسط جديد وفق رؤية شيمون بيريز التي طرحها في كتابه «الشرق الأوسط الجديد: مستقبل إسرائيل والمنطقة العربية»، والذي بسط فيه رؤيته للسلام من منظور إسرائيل التوسعي؛ على أن رؤيته قد وافقت المحاور الاستراتيجية التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بإعلانها في عام 2004م قيام ما سمته بالشرق الأوسط الكبير.
وحتما فلم يعد خافيا بأن مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد يقوم على فكرة تجزيء المجزأ، وتقسيم البلاد العربية إلى كنتونات طائفية وعرقية متصارعة فيما بينها، بحيث يسهل للكيان الإسرائيلي بسط سيطرته عليها، ويصبح القرن 21 قرنا يهوديا بامتياز، سواء على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري، والأخطر من كل ذلك عزم إسرائيل على إحكام سيطرتها على وعينا بتشكيلها للمعلومة التي ترغب في إيماننا بها.
كل ذلك يجري العمل على تنفيذه بأكثر من إطار، غير أن لفتة واعية من ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان قد وضعت اللبنة الأولى في مشروع إعادة الوعي العربي للخروج من حالة التيه التي عاشها في آخر عقدين زمنيين، حيث بادر إلى طرح رؤيته في جعل الشرق الأوسط منطقة متقدمة وأن تكون بمثابة «أوروبا الجديدة»، بحكم ما تمتلكه من موارد بشرية وطبيعية، وإمكانات مادية هائلة، تحقق لها الوصول إلى هذا الهدف.
ولتحقيق هذه الرؤيا الطموحة كان لابد من الإيمان بسياسة الحلول الواقعية انطلاقا من رؤية واعية تضع في أولوياتها تحقيق الأمن والاستقرار بغية الوصول إلى غد مزدهر أفضل. ولا شك فإن هذه الرؤيا الواعية تقتضي تصفير المشاكل أولا، والوصول إلى تفاهمات مرضية بين جميع الأطراف في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما بات واضحا في كثير من الاتفاقات بين السعودية وأبرز الدول الإقليمية في المنطقة كتركيا وإيران، التي من شأنها خفض التوترات في جميع أنحاء المنطقة، وإنهاء حالة الاشتباك بالوكالة.
على أن كل ذلك لن يتأتى بالشكل الصحيح قبل تهيئة البيت العربي وإعادة حالة الود في داخله، وهو ما توج في قمة جدة العربية بعودة سوريا إلى حضنها الدافئ، الأمر الذي يعيد التفاؤل للإنسان العربي وفق منطوق الأمير محمد بن سلمان في كلمته الافتتاحية لقمة جدة العربية.
أشير إلى أن النظام السياسي والاقتصادي العالمي آخذ في التحول من نظام أحادي تقوده الولايات المتحدة، إلى آخر متعدد القوى تقوده الصين وروسيا وحلفائهما سواء في مجموعة منظمة شنغهاي للتعاون التي انضمت إليها السعودية في مارس 2023م بصفة شريك حوار، أو في مجموعة البريكس التي أسست «بنك التنمية الجديد»، وأنشأت نظام دفع مالي موازي للنظام المالي الأمريكي المعروف بـ»سويفت»، وهو ما يسهم في إعادة التوازن للنظام العالمي ويخرجه من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب، الأمر الذي شجع السعودية ودولا أخرى للانضمام إليهم، لاسيما وأن المؤشر التجاري بينها ودول المجموعة الحالية قد تجاوز الـ160 مليار دولار في عام 2022م، ولهذا شارك وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان مؤخرا في اجتماعها الوزاري المنعقد بمدينة كيب تاون.
أختم بالقول بأننا نعيش مرحلة جديدة في شكلها ومضمونها السياسي والاقتصادي، وأن قرنا جديدا يتشكل بعيدا عن تأثيرات أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية الذين قادوا القرن الماضي وشكلوا برؤيتهم مفاصله، مستغلين حالة الفراغ السياسي في كثير من مناطق العالم، وهزيمة وضعف القوى المناهضة لهم، ناهيك عن استفادتهم من سلطوية الاتحاد السوفيتي وقمعه للقوميات المختلفة والأديان السماوية، بل وتوجهه لنشر أفكاره العدائية في أنحاء العالم المحافظ. على أن كل ذلك قد تغير، وخرج العالم من صراع الاستقطاب الفكري إلى آفاق المصالح المتوازنة، ونحن في ركب هذا العالم اليوم بل وفي قيادته، وهو ما يفرض علينا كأفراد مثقفين ومحللين سياسيين أن نستوعب أبعاد ما نعيشه من تغير، ونتفاعل بإيجابية في سياق خطابنا مع التوجه الاستراتيجي في المنطقة المنطلق من سياسة تصفير المشاكل، فهل إلى ذلك سبيل؟
zash113@