حمار الحكيم.. وحكمته | صحيفة مكة

بالمناسبة (الحكيم توما) أو توما الحكيم، هو طبيب ذكر في بعض المصادر التاريخية، ويضرب به المثل في الجهل، وبالمناسبة أيضا لا أجد حرجا أن أقولها علنا، وعلى طريقة سيئ الصوت والطلة مطرب الأفراح والليالي الملاح، وهو يعربد بصوته المتحشرج صارخا: “بحبك يا حمار”، أقولها صدقا.. ولا أجامله بمناسبة الاحتفال بيومه العالمي خلال شهر مايو الجاري، فالحمار هو أقرب الحيوانات إلى قلبي وعقلي وروحي، وبعيدا عن “أكليشيهات” صفاته التقليدية، الطيبة والصبر والجلد، فإني ربما أرى في صحبته ما لا يراه غيري من سائر البشر، من ونسة وأمان، ولهذا تابعت بشغف سيرته ومسيرته على المستوى المحلي، قبل أن تصبح محبته عالمية منذ عام 2018 ليحتشد عشاقه من سائر دول العالم للاحتفاء به سنويا، تعبيرا عن الامتنان والشكر لحضرة الحمار المحترم.
والحمار في مصر ثروة لمالكه وخاصة في الريف، ورغم تقدير الفلاح للحمار ومبالغته أحيانا في إكرامه، إلا أن تقارير متعددة أشارت إلى أن الحمار المصري مهدد بالانقراض، وألمحت إلى خطرين يسهما بشكل ملحوظ في تراجع أعداد الحمير، هما التصدير والذبح، وقد بلغ إجمالي عدد الحمير في مصر نحو مليون و800 ألف حمار، فيما أكدت النقابة العامة للفلاحين في بيان لها بالتزامن مع اليوم العالمي للحمير، أن “الحمير لا تنال الاحترام الكافي”، مشيرة إلى تناقص أعدادها بسبب ما سمته “التجارة غير الشرعية”، مطالبة التعامل مع الحمير باعتبارها “ثروة محلية” والعمل على زيادة أعدادها بشكل علمي.
وتجلت محبتي للحمار في كتابي السابع “زوربا من شبرا” الصادر عام 2017، وكان بالمناسبة من أكثر الكتب مبيعا في معرض القاهرة الدولي للكتاب في نفس العام، وقد خصصت في الكتاب مقالا بعنوان “الحمار في المطار”، رصدت فيه وحللت حادثة شهيرة وقعت خلال سنوات ما بعد فوضى “الربيع العربي”، تحديدا عام 2015، وكتبت وقتها قائلا: “تعاملت بجدية مع قصة زيارة “الحمار” للمطار، التي تصدرت أجندة الإعلام المصري. ربما يرجع ذلك إلى المكانة التي شغلها “الحمار” في قلبي بفضل أستاذنا ومفكرنا الكبير توفيق الحكيم، الذي جعل منه ندا ونديما ومحاورا في بعض كتبه، بل إن الحكيم كرم حماره وارتقى به ليجعله بطلا لأحد هذه الكتب الذي جاء بعنوان: “حمار الحكيم”. لهذا حزنت من استخفاف عدد من الزملاء الإعلاميين بقدرة هذا الحمار على الوصول إلى داخل زمام مطار القاهرة الدولي، وبالغ بعضهم في السخرية منه، ومن إدارة المطار، إلى حد جعلهم يتناسون حكمة الظهور المفاجئ له في هذا التوقيت تحديدا من تاريخ أمتنا.
لم يتعرض حيوان للظلم مثلما تعرض الحمار، وقد بلغ الظلم مداه بارتباط الحمار المصري بسطوع نجم الإرهاب عالميا، وينسب إليه أنه كان سببا مساعدا في استيطان التطرف الديني في كهوف أفغانستان منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
وتعود القصة التي كثرت الإشارة إليها في الفترة التي أعقبت سقوط نظام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2011، ودون أي دليل دامغ نسب البعض إلى إحدى رجال الأعمال الكبار في عهده، تجارته المشبوهة في تصدير الحمير إلى أفغانستان بالمخالفة للقوانين المحلية أو بالتحايل عليها، وقدرت بعض الافتراضات أعدادها بعشرة آلاف حمار مصري تم تصديرهم إلى عدة ولايات أفغانية، وذلك لقدرة الحمار على تحمل مشقة الحركة وسط الطرق الجبلية الوعرة وتحمله الظروف القاسية للحياة البائسة التي كان يعيشها هؤلاء المخدوعون بوهم الجهاد لوقف الزحف الشيوعي على الأراضي المسلمة، وأشعلت قصة “الحمار المصري في أفغانستان” خيال كاتب كبير بحجم الأستاذ وحيد حامد (رحمه الله)، فقدمه ضمن قصة صعود أحد أبطاله الرئيسيين في مسلسله الرائع «بدون ذكر أسماء» من إخراج تامر محسن عام 2013، ليسجل لنا على شريط الدراما الخالد هذه القصة الخيالية التي تنسب أحيانا للأستاذ هيكل، وفي أحيان آخري تروى مستندة على وثائق دولية مسربة، نشرها باحث بريطاني (أمريكي) يكشف فيها قصة صعود أحد المؤثرين في الشرق الأوسط لعقود، وكيف انطلق نجمه مع تجارة “تصدير الحمير” إلى المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفيتي.