شوارع مدينة الرباط في “فاتح ماي” .. تنظيم أمني لافت وحضور عمالي باهت

على غرار أكثر من خمسين مدينة مغربية، شهدت الرباط فعاليات تخليد اليوم الأممي للعمال (فاتح ماي) بشكل بصمه تعدد الأطياف النقابية وتنوع المطالب المرفوعة قطاعيا وفئويا.
تنظيميا، عاينت جريدة هسبريس الإلكترونية حضورا لافتا لعناصر السلطات العمومية وقوات حفظ النظام العام بمختلف تشكيلاتها وتلاوينها ودرجاتها، مما أثمر تنظيما أمنيا محكما لسير الفعاليات، رغم تزامن توقيتها وتقارب أمكنتها، بأبرز الشوارع الرئيسية المؤدية إلى “ساحة البرلمان”.
عكس الدار البيضاء، غابت الاحتجاجات والمسيرات الكبرى التي عهدتها العاصمة صباح كل فاتح ماي، لاسيما ما قبل انتشار جائحة “كورونا”، بعد أن اختارت أبرز المركزيات النقابية الأكثر تمثيلا النزول في تظاهرات ومهرجانات خطابية ومسيرات حاشدة، بمشاركة القيادات النقابية والسياسية، بشوارع المدينة ذات القلب الاقتصادي النابض للمملكة.
حضور جماهيري باهت
منذ العاشرة من صباح اليوم الإثنين، توافد عدد من مناضلي وأعضاء المكاتب النقابية لعدد من التنظيمات، فضلا عن النقابات القطاعية الممثلة لشغيلة التعليم والصحة وسيارات الأجرة والبريد والاتصالات والعدل، وغيرها، حسبما عاينت جريدة هسبريس.
تعددت مشاهد الاحتجاجات والوقفات، مع رفع اللافتات وترديد الشعارات بمكبرات صوت عكرت هدوء “يوم عطلة” لدى أغلب ساكنة العاصمة، إلا أن أبرز ما ميّزها هو حضور المناضلين والأعضاء وغياب الفئات الشعبية الجماهيرية كعادتها كل سنة.
“شعارات موحدة”
بينما تمركزت جموع كل مركزية نقابية أمام مقراتها الوطنية أو الجهوية أو الإقليمية بالرباط، تجمهر مناضلو الجامعة الوطنية للتعليم (FNE) في الساحة المقابلة للبرلمان، ورددوا شعارات غاضبة نال منها وزير التربية الوطنية (شكيب بنموسى) نصيب الأسد بعد “تأخر النظام الأساسي” ومعارضة النقابة لاتفاق “14 يناير 2023”.
من جانبها، نصبت نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب (UNTM) منصة أمام مدخل حديقة “نزهة حسان”، قبل أن تجوب المسيرات تباعا شارع محمد الخامس وشارع علال بن عبد الله الموازي له.
تعددت الشعارات واللافتات، حسب ما عاينت هسبريس، حسب كل طيف نقابي، لكنها أجمعت على مطالب معهودة تُرفع كل فاتح ماي، أهمها “الزيادة في الأجور وتخفيض الضريبة على الدخل”، مستنكرة “عدم تفعيل الحكومة وقطاعاتها لمضامين اتفاق 30 أبريل 2022” رغم مضي سنة.
عثمان باقا، عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل عضو المكتب الجهوي لجهة الرباط-سلا-القنيطرة، قال في تصريح لهسبريس إن “مناسبة فاتح ماي تخلد هذه السنة في جو من القلق والتوتر نتيجة عدم التزام الحكومة بتنفيذ التزاماتها، التي لم تعد مجرد وعود بعد توقيع اتفاق 30 أبريل وهي ملزمة باحترامها تجاه الشغيلة المغربية”، موردا أن أهم هذه الالتزامات “الزيادة في الأجور، رغم السياق الدولي المتوتر حينها، والتخفيض الضريبي حسب الأشطر، مع إحداث درجة ترقي جديدة”.
“الحكومة رفضت أن تنفذ الاتفاق، وهي تهجُم على مكتسبات عبر مقترح تخريبي للتقاعد، الذي طالبنا في الكونفدرالية بسحبه، لتجنب المس بالأمن والاستقرار الاجتماعي”، يشدد باقا، محيلا على “النموذج الفرنسي الذي اعتمده ماكرون في فرنسا”.
وزاد شارحا: “بعض مطالبنا لا تُكلّف درهما واحدا، تتعلق بالحريات النقابية وممارستها دون تسريح للعمال وتضييق”، منهبا إلى “الغلاء الفاحش” و”فشل المخطط الأخضر”، خالصا إلى أن فاتح ماي هذه السنة “بطعم المرارة والغضب والاحتجاج”.
من جهته، عبد الله غميمط، الكاتب العام الوطني للجامعة الوطنية للتعليم “FNE التوجه الديمقراطي”، قال: “نعبّر عن غضبنا واحتجاجنا، وهو غضب تتقاسمه أيضا الشغيلة التعليمية مع توالي المخططات الطبقية التي تحاك والتي أوصلت قطاع التربية الوطنية إلى الحضيض عبر مجموعة من الإجراءات”، مجددا رفض نقابته لمشروع النظام الأساسي المرتقب “الذي سيجهز على ما تبقى من عمومية المدرسة بالمغرب”، وفق وصفه.
حبيب كروم، عضو المكتب التنفيذي للمنظمة الديمقراطية للشغل (ODT)، لفت إلى أن فاتح ماي “مناسبة يعبّر فيها الموظفون والمستخدمون والعمال والأجراء عن مطالبهم، وهي مناسبة كذلك لرفع مشاكلهم ومعاناتهم، متمنّين تفاعلا حكوميا مع مطالبهم الموضوعة على طاولتها، مع الاستجابة الخاصة لتردي أوضاع قطاعي الصحة والتعليم، نظرا لضرب القدرة الشرائية للمواطنين”.
وأضاف في تصريح لهسبريس: “نخلد عيدنا العمالي تحت شعار: العيش من أجل الكرامة، في ظروف استثنائية بعد ثلاث سنوات من انتهاء جائحة كورونا، وهي مناسبة للعودة إلى الشارع في حلة احتجاجية جديدة”.
أما خديجة الزومي، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام للشغالين بالمغرب (UGTM) المسؤولة عن جهة الرباط، فأشارت إلى أن العيد الأممي للطبقة العاملة “محطة لرصد وبسط ملفات الشغيلة المطلبية حسب كل فئة وفق خصوصيات معينة، كما أن لكل نقابة دفترها المطلبي”
“هذه فرصة للتعرف على مشاكل جميع النقابات الفئوية، فمثلا في جهة الرباط نندد بمحاربة العمل النقابي، خاصة في سلا والقنيطرة وتمارة، لاسيما من طرف القطاع الخاص المُطالَب باحترام التشريعات الوطنية، فضلا عن الحكومة الملزمة بتنفيذ اتفاقيات دولية لاحترام الحريات النقابية”، تضيف الزومي في نبرة انتقاد واضحة لتردي الحريات النقابية.
وختمت: “لا بد من التفكير في الزيادة في الأجور في محاولة لإعادة توزيع الثروة بين الطبقات الاجتماعية؛ لأن القدرة الشرائية منهارة، بل العالم كله يُحس بموجة الغلاء التي تظل مشكلا عالميا، إلا أننا نثق في الحكومة وستكرس مجهودا إضافيا لإنصاف الطبقة العاملة”.
وجددت الزومي دعوة نقابتها إلى “إخراج السجل الاجتماعي للذين ليس لهم شغل في إطار التضامن الوطني”، مثمنة المشروع الملكي للحماية الاجتماعية.