أخبار العالم

القدرة على “التعلم الآلي” تضع مستقبل المهن والوظائف على محك حقيقي



في الآونة الأخيرة، كثيرا ما نسمع ونقرأ عبارات من قبيل: هل ينهي الذكاء الاصطناعي وظيفة المحامي؟ هل يأخذ الذكاء الاصطناعي مكان الصياد في أعالي البحار؟ إلى غيرها من العبارات والتساؤلات الحيوية التي تقض مضجع العالم في السنوات الأخيرة، وباتت الشغل الشاغل للناس على كوكب الأرض. بحيث تعد ثورة الذكاء الاصطناعي (AI) من أهم وأكبر التحولات الدقيقة والسريعة التي يعرفها العالم اليوم، ولاسيما بعد أن أصبحت تقنياته وتطبيقاته تتسرب إلى حياتنا يوما بعد يوم، بسرعة مذهلة، وفي جميع المجالات، كالتعليم، والفلاحة، والمواصلات، والرعاية الصحية، والبيئة، وباقي مجالات الحياة؛ ما يضع على المحك غالبية المهن والوظائف التي يقوم بها الإنسان اليوم، خاصة أنها وسيلته لكسب قوت عيشه ومصدر رزقه وتدور حولها باقي مصالحه، ما يثير العديد من التساؤلات حول إمكانية تدخل الذكاء الاصطناعي لإحداث التغيير في سوق العمل.

وبما أن التغيير، بشكل عام، يتراوح بين الخفيف والحاد، مع الذكاء الاصطناعي انتقلت درجة التغيير من درجة التساؤلات إلى درجة التوجس والخوف والهلع، وزادت هذه المخاوف مع الانتشار الواسع لروبوت الدردشة “تشات جي بي تي”ChatGPT. ،

فما الذكاء الاصطناعي؟ وما هي تطبيقاته؟ وكيف تؤثر هذه التطبيقات على مستقبل الوظائف؟.

ما الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)؟

يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي (AI) بأنه العلم الذي يهتم بصناعة الآلات وتطوير برمجيات تتصف بذكاء مشابه لذكاء الإنسان، بحيث تكون قادرة على التعلم الآلي، بواسطة جمع البيانات وتحليلها، واتخاذ قرارات بطريقة تحاكي طبيعة العقل البشري. ورغم هذا التقدم الهائل في المجال، إلا أننا مازلنا في طور الذكاء الاصطناعي المحدود (Narrow) وهو المنتشر اليوم على نطاق واسع، بحيث تكون الآلة قادرة على محاكاة العقل البشري في أداء مهمة واحدة محددة. ولم نصل بعد إلى ذكاء اصطناعي عام (GAI)، بحيث تكون للذكاء الاصطناعي القدرة على إقصاء البشر، وهو ما يحتاج إلى المزيد من الوقت للوصول إليه.
الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative Models )

من بين أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تطورت بشكل كبير خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خصوصا في السنوات القليلة الماضية، الأنظمة التوليدية، وهي أجمل ابتكار حدث داخل الذكاء الاصطناعي في العقد الثاني من القرن الحالي، والفكرة الأكثر جذبا للاهتمام؛ لبنتها الأساسية تقوم على استنساخ وتوليد نماذج جديدة وبأعداد كبيرة ومتنوعة انطلاقا من بيانات موجودة سابقا لجميع أنواع المعلومات، من نص وصوت وصورة مرئية. ونتيجة لذلك، ظهرت نماذج لغوية كبيرة (LLMs)، وهي نماذج مسبقة التدريب على مجموعة بيانات ضخمة تظهر قدرات خارقة في مجال معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، مثل ChatGPT وBard.

كيف ستؤثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مستقبل الوظائف؟

في المساحة المتاحة لنا هنا يمكننا العودة سنوات إلى الوراء، تحديدا مع بداية الثورة الصناعية، لنستقي بعض الأمثلة ونطرح بعض التساؤلات قبل الشروع في المحاولة على الإجابة عن سؤالنا الرئيس في هذا المقال. ومن بين هذه التساؤلات: هل كانت ثمة مخاوف من سيطرة الآلة على وظائف يشغلها البشر؟ مثلا الآلة الرافعة، آلة الحصاد، آلة الحرث، آلة السقي…إذ إن هذه الآلات استولت على مهام عدد هائل من المزارعين، الذين ولجوا في المقابل وظائف جديدة خلقتها مصانع السيارات وورشات النسيج وغيرها، التي كانت بحاجة إلى عدد كبير من اليد العاملة في ذلك الوقت، مع تحسين بيئة العمل ودخل جيد مقارنة بالمزارع. ومع بداية القرن العشرين، اعتلت وظائف الطب والهندسة الريادة، وحظيت بفرص عمل كبيرة.

ومع بداية الألفية الثالثة، التي تميزت بعصر الإنترنت، حظيت وظائف البرمجة وصناعة المحتوى باهتمام منقطع النظير، وشهدت نموا متسارعا. واليوم، قد يبدو مستقبل الوظائف المتعلقة بالبرمجيات في خطر، خاصة مع القدرات المذهلة لروبوتات الدردشة الذكية، فهذه التقنيات تستطيع توليد الأكواد البرمجية (Codes) وكتابة المحتوى.

انطلاقا من تلك الأمثلة فإن الجواب نرى بعض ملامحه في حاضرنا الذي نعيشه، فقد اختفت وظائف وظهرت أخرى عديدة ومتنوعة. وربما علينا أن نتمثل الجواب نفسه عندما نفتح نوافذ المستقبل في هذا الباب. اخترع الإنسان الآلة لتغيير أساليب العمل وتوفير الجهد والوقت، وزيادة المردودية في العمل، وهذا هو سر طفو وظائف جديدة على السطح. وفي أعماق الاختراعات البشرية هناك ما لا يعد ولا يحصى من الدرر. واستمرت الحياة وقفزت حضارة الإنسان إلى ثورة تكنولوجية هائلة وغير مسبوقة.

في واقعنا المعاش، وكما لا يخفى على أحد، بعض المهن والوظائف في حاجة إلى تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لمواكبة التطور السريع في شتى مجالات الحياة، فالموظف العادي البسيط لم يعد قادرا على أداء العمل المطلوب في الوقت المحدد، نظرا لكثرة الملفات، وزيادة عدد المواطنين… وبالتالي ربحا للوقت، يمكن الاستعانة بهذه التقنيات تلبية للمتطلبات الراهنة والضرورية لإنجاز المهام في وقت وجيز.

ويمكن القول إن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة ملحة، وحيث إنه كذلك فإن هذه التقنيات ستحقق اختراقات مذهلة في وظائف عدة وإن بشكل تدريجي، خاصة تلك التي تتسم بالتكرار في الأعمال. وحسب تقرير جديد أصدره مصرف “غولدمان ساكس” فإن حوالي 300 مليون وظيفة ستصبح آلية بدوام كامل. ومن بين تلك الوظائف، على سبيل المثال لا الحصر، طب الأشعة، والصرافة، والعمل داخل المصانع، وخدمات التوصيل، والأمن…

من جانب آخر، فالذكاء الاصطناعي سيساهم بلا شك في خلق فرص عمل عديدة، ووظائف جديدة. وفق التقرير السنوي لمؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2023، الذي أعلنت عنه جامعة ستانفورد مطلع هذا الشهر، فإن الطلب العالمي سيتزايد على الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؛ ولعل أبرزها، هندسة ومعالجة اللغة الطبيعية، وتضم العمل في مشاريع الدردشة الذكية، وهندسة التعلم الآلي، والبحث العلمي في مجال علوم الحاسب والتعلم العميق.

ولعل أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي ستؤثر بشكل أو بآخر على كثير من الوظائف تطبيق ChatGPT الذي أحدث ضجيجا واسعا أيقظ العالم من سباته. ChatGPT عبارة عن روبوت دردشة أطلقته OpenAI الشركة الناشئة المختصة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ وهو عبارة عن محرك بحث حديث وسريع وفكرة جديدة، يعطيك إجابة واحدة ومحددة بدل الغوص بين صفحات الإنترنت.

ومع ظهور هذا التطبيق، ظهرت وظائف جديدة، منها هندسة الأوامر (prompt engineering)، وهي الطريقة التي يتم بها التخاطب مع (chatGPT)من خلال صياغة أوامر أو أسئلة تقود لاستخراج أفضل إجابة ممكنة.

عموما، النماذج اللغوية الضخمة LLMs ومنها GPT وBard، ما هي إلا امتداد لسابقاتها من التقنيات وستخلق مثلها تخصصات ووظائف جديدة كما حدث في السابق وسيحدث في الأزمنة اللاحقة. وفي الوقت نفسه، وبالموازاة مع هذا التطور والتقدم الحاصل، يلزم تسريع جهود الاستثمار في تطوير أساليب التعليم ومهارات العمال قصد مواكبة نمو وتطور هذه التقنيات، بدل التهويل والتخويف من مخاطر الذكاء الاصطناعي وأنه سيتسبب في عطالة البشر.

بما أن التنبؤ هو جوهر الذكاء الاصطناعي فإن السباق بين الآلة والإنسان إن صح التعبير يتعلق بالتنبؤ بالمستقبل. الإنسان يستطيع، بواسطة حواسه المختلفة، التقاط الإشارات بسرعة عن أحداث، وبالتالي تكوين ورسم تصورات متعددة الأبعاد ومتشعبة الأركان، وبالتالي وضع السيناريوهات المحتملة للتأثير في معالجتها. أما الآلة، إذا تغير عنصر واحد من تلك العناصر التي تدربت عليها تأتي بنتائج غير منطقية وغريبة.

إضافة إلى أن قوة الآلة تتمثل في سرعة إنجاز المهام وتكرارها دون تعب وبكفاءة فائقة، أما قوة الإنسان فتتجلى في الابتكار وتوليد الأسئلة والطموح والسباحة بكل رشاقة في عالم الأفكار الذي يتسع وينمو بشكل هائل ساعة بعد ساعة.

بشكل عام، رغم دور الذكاء الاصطناعي البارز في بناء الاقتصاد الرقمي والمجتمعات المستدامة، وإدارة وتوليد المعرفة، إلا أن ما يجول في خواطرنا، ومشاعرنا، مجالات يصعب على الآلة أن تقتحمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى