أخبار العالم

“خِلاف”.. عندما تتلاعب “السرديات الكبرى” بالأفراد في لعبة شطرنج “المصلحة”


بين الإيمان بالفكرة والسذاجة التي تجعل الإنسان بيدقا في رقعة شطرنج أكبر من أن يستوعب منتهى لعبتها، تقدم مسرحية “خِلاف” العراقية مآسٍ، تخدم البعض، تحقق استمرارية، وتخلف ضحايا، فرادى، يتجرعون الخسارات والألم.

المسرحية سالفة الذكر، التي أخرجها العراقي مهند هادي، تحكي قصة أم يسارية، كانت قيادية في زمن ماض، رحل الزوج – الرفيق، والأب – الرفيق، ولم يتبق إلا الابن الذي كان جيفاريا، قبل أن تتسرب إلى أفكاره وفلتات لسانه ثم أفعاله قناعات إرهابية داعشية.

وعبر قطعتي ديكور وستار يعلو الخشبة، تحكي المسرحية الحكاية: ينتقل الابن من مسقط الرأس إلى تركيا، فـ”أرض الخلافة”… وتنتقل الأم من مسقط الرأس إلى تركيا، فالسجن المنزلي والحبوب المنومة والزيارات المتكررة للشرطة وأسئلتها وتحقيقاتها المفتوحة.

المسرحية تأتي في زمن “ما بعد الأيديولوجيات” أو بعد سقوط سطوة “الأفكار الكبرى”، فنرى القيادية السابقة إنسانة وحيدة بعدما كانت تؤطر وتقود الجموع، لم يتبق من التنظير إلا اقتباسات مبتسرة وذكريات بعيدة، ولم يتبق من الأمل الكثير، وتتكرر الأحداث كأن “نضالا” لم يحدث: يدخل الشرطي الباب، يقتحمه حتى، يرهب الأم، الفرق الوحيد هو أنه كان شابا عندما حدث هذا آخر مرة.

وتحكي المسرحية قصصا من القرب والحب الذي يحجب التحولات، ويحول دون استيعاب فلتات الكلام وتغيرات الملامح والغيابات الجديدة، الأم في نقاشاتها مع ابنها لم تلقِ بالا لعمق ما يقول، لمعينه الجديد، وفي حياتهما اليومية لم تنتبه إلى اتصالاته، إلى تحولات حياته الشخصية؛ هي تعرفه، أو هكذا كانت تظن، فقد كانت تعرف طفلها الذي لم تتسرب إلى شرايينه سموم الأفكار التي تدعي استيعاب العالم، والقدرة على تغييره، فيصير معها كل شيء مبررا، حتى الخيانة والقتل.

ولتجنب الألم، لتجنب نظرة إحدى شخصيات المسرحية أو الجمهور! تحضر لعبة الذاكرة في المسرحية، فتتذكر الأم “أمل” الأحداث كما تريدها لا كما حدثت؛ وقد يتكرر المشهد في المسرحية مرتين أو ثلاث لتصل الأم في سردها إلى صيغة أريح وأقل وخزا للضمير.

ولا تغيب عن المسرحية مساءلة للادعاءات الكبرى لفهم وتغيير العالم، فيحضر نقاش يسائل الاختلاف بين القتل في سبيل فكرةٍ، والقتل في سبيل أخرى، ما الذي يجعل قتلا أشرف من قتل؟ انزياح تبريري، ينظر إلى “المسخ الخلقي”، بتعبير الأم؛ لكنه يدفع إلى التفكير.

نار سرديات التغيير الكبرى قد تأتي على البناءات العتيقة، قد تنجح؛ لكن حطبها أفراد، عائلات، أمهات وآباء، أصدقاء وصديقات… يؤدي الكل الثمن، لتتحقق الفكرة، وعند النجاح يأتي التبرير بما يتلاءم مع تبييض جرم القتل، فيصير القاتل بطلا، والمقتول من الصف الآخر مجرما، والمقتول من صف المنتصرين شهيدا، وهكذا دواليك.

لكن، ما تدفع المسرحية إلى التفكير فيه هو اللعبة الأكبر؛ من المستفيد؟

تحرك الابن بين دولتين دون أن يختم جواز سفره، دخل أخرى بأوراق مزورة، تواصل مع أناس وأناس دون أن يقبض عليه، دون أن يدفعه كل هذا إلى التفكير في أن المسألة أكبر من أفراد لهم قناعة.

ينطق رجل السلطة، رمزا، باسم المصالح الكبرى، في لحظة حقيقة: الجوع ثروة، المرض ثروة، التطرف ثروة، الجهل ثروة.

هذه مآسينا، لكنها ثروة من يهز الحبال، والنتيجة: إغلاق ملف أمل، لم تعد في حاجة إلى تحقيق مفتوح، ابنها قتل، قتل صغيرها المتبقي، قتلت فيها الحياة، وانتهت حكايتها في الخمسين، على أن تدفن بعد ذلك عندما يلتحق الجسد بباقي المشاعر والأفكار الموؤودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى