أخبار العالم

مباراة المحاماة.. غيض من فيض



ما حصل في امتحان ولوج مهنة المحاماة ليس استثناء ولا حدثا عابرا، وإنما هو مثال لما يحصل في العديد من المباريات والتعيينات في مختلف المجالات. والضجة التي رافقت هذه المرة مباراة المحامين مردها في نظري إلى عوامل عدة، منها أن عدد المترشحين كبير، وكونهم في تخصص القانون، مما يجعلهم متمرسين في الدفاع عن حقوقهم وملمين بالقوانين، إضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي، وزادت من تأجيجها الخرجات غير الموفقة لوزير العدل. ويضاف إلى كل هذا أن المغاربة نزعوا عنهم رداء الخوف وصاروا ينتقدون علنا كل شطط في استعمال النفوذ أو السلطة.

من بين القطاعات التي تعاني من قلة الشفافية في التعيينات، ميدان التعليم العالي، وخاصة مباريات أساتذة التعليم العالي، حيث في معظم الأحيان يتم تكييف المنصب والشروط حسب الشخص المرغوب فيه سلفا.

ولقد تعرضت شخصيا لعدد من هاته الاختلالات، أذكر منها مثالين. منذ حوالي عشرين سنة راودتني فكرة الدخول إلى أرض الوطن بعد أن اشتغلت سنوات أستاذ باحثا في جامعات ومعاهد أوروبية. وقدمت ملف ترشيحي لإحدى الكليات التي علمت أنها بصدد تعيين منصبي أستاذ باحث في تخصصي. قدمت أوراقي التي كانت عبارة عن كم تعجيزي من الوثائق: خمس نسخ من كل وثيقة، بما فيها بحث الدكتوراه، مقالاتي المنشورة، عقد الازدياد، شهادة حسن السلوك، بطاقة التعريف الوطنية… وإرسال كل ذلك عبر البريد المضمون.

وصادف أن عميدة الكلية المذكورة اطلعت على الملفات وتذكرت أنها حضرت بعض محاضراتي في السابق، فطلبت لقائي حين أزور المغرب. وحينما التقيتها قالت لي بالحرف الواحد (والله على ما أقول شهيد): “سي عثمان، ملفك هو أحسن ملف لحد الآن، لكنني أصارحك بأننا لن نختارك وفضلت أن أقولها لك منذ البداية، لقد اتفقت مع رئيس الشعبة على أن أعين أخي الموجود حاليا في الخارج وعمره 44 سنة مما يعني أن هذه آخر فرصة له لولوج الوظيفة العمومية. وفي المقابل، سوف أسمح لرئيس الشعبة بتعيين صديقه، ولقد اخترنا اللجنة واتفقنا مع أعضائها على هذا الخيار”.

المثال الثاني لصديق عزيز يقيم بأوروبا متخصص في وسائل الاتصال عبر الأقمار الصناعية وله براءتا اختراع، أحدهما تم تسويقه منذ عشرين سنة، قدم على منصب أستاذ في إحدى كليات الهندسة بالمغرب وتمت دعوته لإجراء المقابلة، وحينما انتهى من محاضرته أمام اللجنة طرح عليه سؤالان مستفزان: إذ طلب منه أحد أعضاء اللجنة أن يريه مقبس (network port) الإنترنت في حاسوبه الشخصي، مما يعني أن الأستاذ لم يفقه شيئا من المحاضرة أو أنه لم يطلع على السيرة الذاتية للمرشح. والسؤال الثاني كان صدمة، إذ إن رئيس اللجنة هاجمه قائلا “أنت لست من أبناء المنطقة، فلماذا تريد أن تقدم في هذه الجامعة؟ وأنتم في منطقتكم لكم عاداتكم وتقاليدكم؟”، يتكلم كما لو أن المترشح أتى ليخطب ابنته. لم يتم اختياره بطبيعة الحال واختاروا شخصا آخر، بعدها قدم صديقي طعنا مرفقا بشهادة خبراء قارنوا السيرة الذاتية للشخصين وأرسل تظلمه إلى ديوان المظالم، لكن هذا الأخير رفض الدعوى بحجة عدم الاختصاص.

هذه التعيينات والاختلالات هي التي تتسبب في اختيار الشخص الخطأ، الذي ما أن يقضي بضع سنوات حتى يصبح عبئا على الجامعة والدولة والطلبة. وقد حصلت لي قصة طريفة حينما دعيت لإلقاء محاضرة بإحدى كليات العلوم، وكانت حول فيزياء الطاقة العالية وآخر مستجدات تسريع الجسيمات والتصور الحديث للجسيمات الأولية. وخلال المحاضرة، شرحت كما هو معروف لأهل الاختصاص أن نواة الذرة تحتوي على النيوترون والبروتون وأن البروتون (وكذلك النيوترون) ليس بجسيم أولي وإنما توجد بداخله ثلاثة جسيمات تسمى الكواركات. كما أن الكواركات ستة أنواع، أولها تم اكتشافه ابتداء من سنة 1967 وآخره اكتشف سنة 1995.

وبعد المحاضرة والأسئلة، تقدم إليّ شخص عرف نفسه بأنه أستاذ الفيزياء النووية بالكلية نفسها وخاطبني قائلا: “صراحة هذه أول مرة أعرف أن البروتون يوجد شيء ما بداخله”. صعقت وأنا أسمع هذا من أستاذ الفيزياء النووية في سنة 2005، أي بعد عشر سنوات من اكتشاف آخر كوارك، وبدأت أتساءل أين درس هذا؟ ومن هي اللجنة التي أجرت له الاختبارات العلمية والمعرفية وقررت تعيينه؟ واستنتجت أن صاحبنا ربما يكون من مفرزات اللجان الصورية.

وحتى لا أعمم، فإنني أعرف شخصيا أساتذة أكفاء داخل المغرب وأتشرف بمعرفتهم وبكوننا نشتغل سويا على مشاريع بحثية مشتركة، وهؤلاء بدورهم يعانون حينما يرفعون أصواتهم ويطالبون بالشفافية في التعيينات.

تعيين الأساتذة يجب أن يعاد فيه النظر جذريا وأن يتم اختيار أعضاء اللجان بطريقة احترافية ونزيهة، بل وينبغي إشراك الكفاءات العلمية بالخارج في هاته اللجان وكذلك أساتذة من خارج الجامعات. وفيما يتعلق بالشعب التطبيقية، يجب أيضا إشراك ممثلين عن الشركات الكبرى في هاته اللجان؛ لأن الأستاذ المعين من المفروض أن يطور شراكات مع القطاع الخاص أيضا: هذا هو النموذج المعمول به في الجامعات الراقية لتفادي التمييز والتحيز وتعارض المصالح. بدون تعيين نزيه للشخص المؤهل لن تتقدم جامعاتنا حتى ولو صرفنا مليارات الدراهم في المخططات الاستعجالية.

(*) أستاذ البحوث مدير نظم الأبحاث-جامعة تكساس أي أند إم فرع قطر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى