منوعات

احترام الخصوصيات.. أدب إسلامي رفيع



القاهرة: بسيوني الحلواني
من السلوكيات الخاطئة التي شاعت في حياتنا المعاصرة وساعد عليها التطور الكبير في وسائل الاتصال والتواصل بين الناس «تتبع خصوصيات الآخرين، والسعي الدائم للتعرف إلى أسرار حياتهم وعلاقاتهم الأسرية وما يفعلون في حياتهم الخاصة»، وقد يؤدى هذا السلوك المرفوض شرعاً وعرفاً وأخلاقاً إلى كثير من المشاكل والأزمات.

يؤكد د. فتحي عثمان الفقي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، أن الإسلام جاء بآداب وأخلاقيات تعامل إنساني راقية من شأنها تنظيم العلاقة بين الناس، وحفظ خصوصياتهم، واحترام حياتهم الخاصة، وعدم اقتحام أسرار بيوتهم، ويقول: «لو تأملنا آداب الإسلام في التزاور بين الناس، وضرورة الاستئذان حتى بين الأبناء والآباء لتعرفنا إلى حجم ما قدمه ديننا من آداب وأخلاقيات تعامل؛ حيث وضع سياجاً منيعاً من القيم والتعاليم والأحكام الصارمة التي تحقق السرية والخصوصية المحرم الإطلاع عليها شرعاً، أو كشفها تحت أية دعوى أو مبرر».

ويضيف: ما أمرنا به الخالق سبحانه وتعالى عند دخول بيوت الآخرين يؤكد حجم احترام الإسلام لخصوصيات الآخرين، وقد حملت لنا سورة النور أمراً إلهياً واضحاً: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم، ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون».

ويشدد الفقي على ضرورة تربية الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين على هداية هذه الآيات الكريمة، خصوصاً بعد أن تلاشت من نفوس الكثيرين منهم آداب الاستئذان ويقول: «القرآن يقودنا إلى كل ألوان الأدب العالي والذوق الرفيع والخلق الفاضل الكريم، وقد أرسى هذا الدستور الإلهي الخالد حرمة البيوت، واحترام المشاعر والأحاسيس، وصيانة الأعراض، ومن أجل ذلك كان الاستئذان أحد الأخلاق الإسلامية الرفيعة التي تحافظ على حرمة وخصوصيات أصحاب البيوت، وعلى كرامة من يزورهم ويتردد عليهم».

يوضح د. محمود الهواري، الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، أن الإسلام يرسخ آداب التعامل الإنساني الراقي في نفوس أتباعه، فلا تجسس على الآخرين، ولا تلصص على خصوصياتهم، ولا اقتحام لحياتهم الشخصية، ويقول: «القرآن الكريم من خلال نصوصه الواضحة يرسخ كل ما يؤدى إلى حسن الظن، وتعميق الصلات والعلاقات الإنسانية بين كل أفراد المجتمع، لما يترتب على ذلك من منافع ومكاسب للجميع، ويؤدى إلى شيوع الثقة بين الناس جميعاً».

ويضيف: «سوء الظن الذي حذرنا منه القرآن الكريم في قول الحق سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم»، هو ما يدفع بعض الناس إلى التلصص على الآخرين، ويدفع البعض إلى اقتحام خصوصيتهم سواء أكانوا من الأقارب أو غيرهم، وسوء الظن يؤدى إلى مساوئ كثيرة، لذلك حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»، والمراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف سبحانه النهي عن سوء الظن، بالنهي عن خصلة سيئة أخرى تؤدى في الغالب إلى سوء الظن وهي التجسس، فقال: «ولا تجسسوا» ذلك أن الشخص الذي يسيطر عليه سوء الظن، غالباً ما يدفعه سوء ظنه إلى التجسس لكي يتأكد من سوء ظنه.

التجسس بين الأزواج

يقول د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر: «العلاقة الزوجية تقوم على الثقة المتبادلة بين الزوجين، وهذا واضح من قول الله تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون».. فالقرآن يؤكد ضرورة أن تقوم العلاقة بين الزوجين على ترسيخ الثقة وحسن العشرة، فلا شكوك ولا ظنون، ولا ينبغي أن يعطي أحد الزوجين الفرصة للأوهام لكى تفسد عليه علاقته الزوجية».

ويضيف: «الإسلام يستهدف إقامة العلاقة الزوجية على صفاء النفوس، وتبادل الثقة بين الزوجين، ولذلك فإن واجب كل من الزوجين أن يحسن الظن بالآخر، ولا يعتدي على خصوصياته، ولا يفتش في أغراضه الشخصية، من هاتف أو غيره؛ بل إن الزوج لا ينبغي أن يفاجئ زوجته في المنزل دون أن يشعرها بقدومه، فقد تكون في هيئة لا تحب أن يراها زوجها عليها».

ويؤكد د. كريمة، أن التجسس على الناس، وتتبع عوراتهم حرام شرعاً، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه، ولو في جوف رحله»، لذلك ومن أجل حماية حرمات الناس، حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشد التحريم أن يطلع أحد على قوم في بيتهم بغير إذنهم، وأهدر في ذلك ما يصيبه من أصحاب البيت، فقال: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه»، كما حرم أن يسمع حديثهم بغير علم منهم ولا رضا فقال: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة»، ولذلك لا يجوز التجسس على الآخرين وتتبع عوراتهم.

تحذير.. ونصيحة

يحذر د. كريمة، من الانسياق وراء الأهواء والنزوات الشخصية وتتبع أسرار الناس واقتحام حياتهم الشخصية، ويقول: الإسلام لا يقر سلوك هؤلاء الذين يتلصصون على بعضهم بعضاً بحثاً عن العيوب، وتصيد الأخطاء، وتحويل الخطأ إلى خطيئة والخطيئة إلى كفر؛ بل ديننا يحض على ستر العيوب، وتقديم النصيحة الصادقة لكل من به عيب؛ لكي يصلح من حال نفسه دون فضيحة أو تشهير أو إساءة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى