منوعات

«أفاتار.. طريق المياه».. تكريس لمعنى وأهمية الأسرة



مارلين سلوم

في سجل كل مخرج مبدع علامة فارقة تبقى كالبصمة الخاصة به وحده، وكالماركة المسجلة باسمه لم يقلد بها أي فكرة أو عمل سبقه وكل ما يأتي من بعده ويحذو حذوه ستتم مقارنته به، فحين تقول «إي تي» المخلوق الفضائي تقول ستيفن سبيلبرغ، وحين تقول «أفاتار» فأنت تقول جيمس كاميرون، هذا المبدع الذي قدم في العام 2009 التحفة الفنية السينمائية «أفاتار» وخلق عالماً خاصاً به وبشخصياته مختلفاً عن كل ما قدمته السينما العالمية حتى ذلك الوقت، وها هو يكرر التجربة ليحملنا مجدداً إلى عالمه المولود من خيال، في اللامكان واللازمان، لنسلك مع عائلة أفاتار «طريق المياه» في مغامرات تمتد لثلاث ساعات و12 دقيقة؛ فكيف ولماذا يستمر هذا النجاح، وبماذا يتميز الجزء الثاني من «أفاتار» الذي سيستمر عرضه عالمياً في الصالات طالما استمر الإقبال عليه بهذه الكثافة؟

«أفاتار: ذا واي أوف ووتر» هو الابن الثاني للمخرج جيمس كاميرون الذي خلق عالم «باندورا» حيث تدور أحداث قصته، وخلق الشخصيات وكتب الفيلم الأول وحده، قبل أن يقرر استكمال القصة دون تكرار أحداثها، متعاوناً هذه المرة مع المؤلفين ريك جافا وأماندا سيلفر؛ كاميرون حافظ على الشخصيات الرئيسية، جيمس سولي (سام ورثينجتون)، الذي كان جندياً في البحرية الأمريكية وأصبح الآن «نافياً» أي من قبيلة نافي التي تنتمي إليها زوجته نيتيري (زوي سالدانا)، وقد أحيا مجدداً شخصية الدكتورة جريس أوجوستين من خلال ابنتها كيري وتؤدي الشخصيتين النجمة سيجورني ويفر، كما أحيا شخصية العقيد مايلز كواريتش الذي انتهى الفيلم الأول بمقتله، لكن بذكاء أعاده كاميرون بشكل مخلوق «نافي» من عالم أفاتار يحمل شكل وعقل وذاكرة كواريتش؛ وكي لا يقع في فخ الملل والتكرار، انتقل كاميرون بأبطاله إلى مرحلة جديدة، حيث أصبح لسولي ونيتيري عائلة مكونة من ولدين نيتيام (جيمي فلاترز) ولواك (دالتون بريطاني) وابنة صغرى تدعى توك (ترينيتي جو لي بليس) وتبنيا كيري ابنة الدكتورة الراحلة أوجوستين، ويعاملانها كابنة لهما.

أهم المحطات

بداية الفيلم لا يعتمد فيها كاميرون على سرد ما حصل بالماضي، بل يذكرنا من خلال الأحداث بأهم المحطات كي تنشط ذاكرتنا ونكمل الرحلة مع أفاتار بشكل سلس، باندورا الأرض الرائعة التي تحوي في غاباتها الخلابة شعب ال «نافي»، يعيش فيها سولي بسلام مع أسرته ويكبر أبناؤه على معاني الوفاء والقتال من أجل الدفاع عن باندورا وأهلها، خصوصاً أن نيتيري هي المسؤولة عن شعبها بعد رحيل جدها؛ فجأة تعود «جماعة السماء» بوسائل جديدة لاستكمال مهمة البحث عن أرض تستغل ثرواتها وجعلها المأوى الجديد للبشر بديلاً عن كوكب الأرض وما فعله به الإنسان. تصل القوات الأمريكية إلى غابات قريبة من باندورا فيحرقون كل ما فيها.

بعد مرور عام، تظهر شخصيات جديدة تشبه بشكلها شعب ال «نافي»، إنه العقيد كواريتش الذي يتم استنساخه والعريف وينفليت وزي دوج كي يعودوا إلى أرض المعركة ويستكملوا ما بدأه جنود البحرية الأمريكية سابقاً يوم كان سولي واحداً منهم؛ لكن هذه المرة المعركة ستكون أصعب، إذ اتخذ هؤلاء الجنود أشكال أعدائهم النافيين لخداعهم والتسلل بينهم بسهولة. يتم التنسيق مع الجنرال أردمورد (إيدي فالكو) قائدة العمليات من أجل إتمام مهمة القضاء على جايك سولي، الذي يعتبر العائق الحقيقي أمام القوات الأمريكية ويعترض طريق خطتها في الاستيلاء على باندورا.

يفضل سولي الابتعاد مع أسرته عن وطن حبيبته من أجل حماية باندورا وأهلها من الهلاك، طالما أنه هو المستهدف، فيتجهون نحو جزر نائية ويختارون إحداها للاستقرار فيها، جزيرة ميتكايينا التي تضم شعب «الحيّد المرجاني» وزعيمهم تونووري (كليف كورتس) وزوجته رونال (كايت وينسلت). يتم استقبال سولي وعائلته شرط التزامهم بقوانين الحياة في ميتكايينا، وتعلم الحياة والتنفس تحت الماء. هنا لا بد من التوقف عند أفكار ومخيلة جايمس كاميرون الواسعة، فشعب الجزيرة مختلف بالشكل عن شعب غابة باندورا من حيث شكل الذنب واليدين المستوحاة من زعانف الأسماك، كما يمنح كاميرون التصوير تحت الماء أبعاداً جمالية رائعة، مستغلاً كعادته الأبعاد الثلاثية والإضاءة وكل المؤثرات الكفيلة بجعل عالم البحر ساحراً، ولا ينسى طبعاً إبهارنا بشجرة الأرواح الضخمة تحت المياه، والتي تذكرنا بشجرة الحياة والأرواح التي كانت في باندورا.

السينما الحديثة

لا يمكن التوقف عند كل التفاصيل وكل محطات هذا الفيلم لأنها كثيرة والحديث عنها يمتد طويلاً، لذا يبقى الكلام عن الفيلم أقل مما يستحق، والمشاهدة أكثر متعة من الكلام والسرد لأن كاميرون يعرف كيف يستغل قدرات وإمكانيات السينما الحديثة كي يقدم ما يبهر العين ويمتع الروح؛ مع احتفاظه طبعاً بالجانب الأكبر من الإثارة والتشويق مانحاً المعارك القتالية الجزء الأكبر من الفيلم، ولا يتوانى عن التضحية بإحدى الشخصيات المحبوبة في هذا العمل من أجل كسب المزيد من تعاطف الجمهور وتحريض مشاعره فيزداد تفاعلاً، مع ترك النهاية مفتوحة.

لاحظ أن كاميرون ترك خيوطاً معلقة، فتشعر بأنه كتب الجزء الثاني واضعاً أمامه الجزء الثالث ويعد له العدة بشكل كامل، فمثلاً بقيت هوية والد كيري مجهولة، وهي تتساءل عن سبب غرابة طباعها وقدراتها دون أن تحظى ونحظى معها بإجابات وافية، كما جعل من سبايدر منقذاً لكواريتش كي يمشي بخط جديد تستكمل فيه المعارك الضارية بين سولي وكواريتش لكن هذه المرة تنتقل إلى الأبناء لواك وسبايدر الذي بقي بمشاعره متأرجحاً بين حبه ووفائه لسولي وعائلته وقد نشأ وترعرع وسطهم، وانتماؤه للآدميين ولوالده كواريتش وإن لم يعش في كنفه، علماً أن كاميرون ترك نظرات سبايدر وتأثره بمقتل والده (كما رأينا في الجزء الأول) على يدي نيتيري غامضة، لم يفصح عن أفكاره وعن مشاعره، تمهيداً لما سيأتي في الجزء الثالث.

أبرز ما يريد قوله جايمس كاميرون من خلال «أفاتار» هو تكريس لمعنى وأهمية الأسرة، في المقابل تشعر بأنه يريد ترسيخ فكرة واحدة بنى عليها سلسلة أفاتار، وهي أن الكائنات الفضائية أو المخلوقات غير الآدمية أفضل وأكثر إنسانية من الإنسان نفسه، وأن تلك المخلوقات تبني وتعمر والإنسان يقتل ويحرق ويدمر ويغتصب أرض غيره، وبعدما عاث في الأرض فساداً، ذهب إلى الغابات ليحرقها وبحث عن المخلوقات البحرية والحيتان في الجزر البعيدة وتكلف وصرف أموالاً طائلة ليقتني السلاح ويصنع جنوداً آليين وغواصات وقاذفات صواريخ ليقتل الحيتان ويسرق من جوفها مادة يعتقد أنها قادرة على إبقاء الإنسان شاباً مهما تقدم به العمر. ومن الواضح أيضاً أن كاميرون يرى القوات الأمريكية مستعمرة مدمرة أينما حلت.

رقم 1

ما حققه «أفاتار: ذا واي أوف ووتر» حتى الآن من إيرادات في شباك التذاكر منذ صدوره وحتى الآن أي في خلال شهر تقريباً، جعله الرقم 1 عالمياً، فبينما بلغت تكلفته 350 مليون دولار بلغت الإيرادات أكثر من مليار و730 مليون دولار أرباحاً حول العالم، واللافت أن الصين التي تمنع عرض أي فيلم أجنبي لأكثر من شهر في صالاتها، مددت استثنائياً عروض هذا الفيلم الذي حقق لديها إيرادات 190 مليون دولار، ما يعتبر إنجازاً تاريخياً يحسب لأفاتار وجيمس كاميرون.

[email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى