آخر خبر

الكتابة المنهجية وبنية القرار السياسي


تعلمت من والدي يرحمه الله معادلة أراها أهم معادلة في الحياة، مفادها: معلومة صحيحة تؤدي إلى قراءة صائبة، ينتج عنها قرار صحيح؛ ومعلومة خاطئة تؤدي إلى قراءة غير دقيقة، ينتج عنها قرار غير صائب.

إذن هو المنهج العلمي الإجرائي حال اتخاذ أي قرار، وهو الذي يرتكز ابتداء على دقة المعلومة والبحث في ثناياها، ثم تحليلها وقراءتها وفقا لأدوات المنهج العلمي، بهدف إيصالها للمستفيد حتى يتخذ قراره الصائب وفقا لمنطق المعادلة.

وهذا الأمر ـ وإن كان متعلقا بالشأن السياسي ـ لكنه مرتبط أيضا بمختلف قضايا التخطيط والبناء الاقتصادي وغيرها بوجه عام.

في هذا السياق، أحب أن أشير دائما إلى قصة تراثية لأدلل على أهمية القرب من الآخر بشكل مباشر، ودون وسيط، وخلال الشخص المناسب أيضا، لنتمكن من معرفة واقعه بصورة حقيقية، وهي الغاية الكبرى المرجو بلوغها من أي مفاوضات سياسية.

وفي هذا تقول القصة: إن إنسانا كان يمشي في الصحراء، فرأى شاخصا من بعيد، فظنه للوهلة الأولى وحشا، ثم لما اقترب منه تبين فيه ملامح إنسان، ثم لما اقترب أكثر وأكثر وجده قريبا منه وتجمع بينهما قواسم مشتركة متعددة.

ما سبق يؤكد أهمية الوصول للمعلومة الصحيحة المجردة إزاء الآخر، فخلالها تتضح الرؤيا لدى صانع القرار أيا كانت طبيعة هويته السياسية أو الاقتصادية.

وهو أساس ما يجب أن تنطلق منه مراكز الأبحاث العلمية الجامعية وغيرها من حاويات الفكر المستقلة.

إذ كلما عملت تلك المراكز بشفافية ومنهجية علمية، كلما كانت دقيقة في نتائج أبحاثها، الأمر الذي ينعكس إيجابا على طبيعة القرار المتخذ.

وواقع الحال، فإن ذلك هو المعتمد في مختلف مراكز البحث الجامعية وغيرها في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

جدير بالذكر، فالقواعد العلمية الواجب العمل بها واضحة لكل باحث متخصص، ولعل أهمها يكمن في إرادة الباحث أن يكون متجردا حال بحثه وكتابته، وبالتالي يتحرى الدقة في معلومته من حيث طبيعة مصدرها وموقع صاحبها ومدى قربه وعلاقته من الحدث، وحتما فلن يكون مقبولا بشكل عام اعتماد أي معلومة صادرة من خصوم معادين دون التحقق منها من جهة محايدة على أقل تقدير. كذلك ليس مقبولا إخراج المعلومة عن سياقها المجتمعي ثم البناء عليها بشكل مستقل، لكون من يعمد إلى ذلك يكون قد بنى قصرا أعمدته على الهواء.

ما يدعوني إلى ذكر ما سبق راجع إلى ما أراه واقعا في كثير من الدراسات الإنسانية والسياسية، خاصة الصادرة عن بعض الأقسام العلمية الأكاديمية، وبعض المراكز البحثية وحاويات الفكر في عالمنا العربي إجمالا، حيث يغلب عليها رأي انطباعي، كما تنطلق من حكم مسبق ورؤية أيدلوجية، مما يفقدها الحيادية المنهجية التي يجب أن تتحلى بها لتكون مقبولة على الصعيد العام، والأهم من ذلك لتقدم معلومة دقيقة يحتاجها صانع القرار حال قراءته للحدث، وبناء رؤيته السياسية على أقل تقدير.

أشير إلى أن ابتعادنا عن التجرد والحيادية المنهجية سواء في الإطار البحثي أو الإعلامي الذي يعج بكثير من المتعالمين، هو أكثر ما أهلكنا في مختلف قراءاتنا للنازلة التاريخية والسياسية، وكان من جراء ذلك أن تموضعت أفكارنا في خانة عاطفية منشأها بُعد قومي أو عقائدي كان السبب في كثير من القرارات غير الصائبة في عديد من الملفات المتعلقة بالمنطقة بوجه عام.

ولذلك فمن المهم أن يعمل الباحث على توثيق قراءته بمعلومات موثوقة من مصادر أصيلة، ويتناولها بشفافية وحيادية منهجية كبيرة، حتى يحقق المراد بشكل صحيح، وحتما فتلك مهارة تتطلب منه إخفاء هويته الفكرية ليتمكن من تشخيص ما يكتب عنه بدرجة عالية من الصحة، وهو ما تقوم به المؤسسات الغربية في غرفها المركزية حال اتخاذ قرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتخطيطي. فهل يصعب علينا تحقيق ذلك؟.

[email protected]



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى