منوعات

التوبة الصادقة.. عطاء الله ورحمته



القاهرة: بسيوني الحلواني
لا يتوقف الإنسان عن ارتكاب الذنوب، ولذلك من رحمة الله أن منحهم الفرصة تلو الأخرى للمراجعة والتصحيح والعودة إلى طريق الحق من خلال «التوبة» ويحثهم باستمرار على سرعة التخلص من الآثام والذنوب، وقد تعددت الآيات القرانية التى تحث المسلم على التوبة منها قول الحق سبحانه وتعالى: «يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير».

يؤكد العالم الأزهري د. فتحي عثمان الفقي عضو هيئة كبار العلماء وعضو لجنة الفتوى المركزية بالأزهر الشريف أن توبة الإنسان لكي يتخلص من ذنوبه وآثامه ويعود نقياً من الذنوب «مطلب إلهي» ويقول: من مظاهر رحمة الله بعباده أنه سبحانه وتعالى يأمرهم بالمداومة على التوبة الصادقة النصوح فيقول: «يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً».. وليس لله حاجة في أن يتوب العبد أو يستمر في غيه ومعاصيه، لكن الله رحيم بعباده، يحبهم دائماً أطهاراً أنقياء، يلتزمون طريق الهداية والصلاح.

ويضيف: والتوبة تعنى العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية، والندم على ما فعله منها في الماضي، و«التوبة النصوح» هي التوبة الصادقة الخالصة التي لا عودة بعدها إلى الذنوب، وقد قال (القرطبي) في معناها: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العودة بالجنان، مهاجرة سيئ الإخوان.

ومن شروط التوبة التي يقبلها الله عز وجل ويكافئ عليها بغفران الذنوب والعفو عن المعاصي والسيئات: التوبة أن يقلع عن المعصية، وأن يندم على ما ارتكب من آثام ومعاصٍ، وأن يعزم على ألا يعود إليها.

ويقول د. عثمان عن يأس بعض الناس من عفو الله ورحمته نتيجة كثرة ذنوبهم، فقال: التوبة وغفران الذنوب منحة من الله، ومنح الله لا تخضع لأية مقاييس بشرية، والله سبحانه وتعالى يوجه كل عباده المذنبين إلى عدم اليأس من رحمته وعفوه فيقول: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم»، فالله سبحانه وتعالى- من خلال هذا النص القرآني الواضح والصريح- يفتح الله لعباده باب رحمته، وينهاهم عن اليأس من مغفرته، ويأمرهم بأن يتوبوا إليه توبة صادقة نصوحاً قبل أن يفاجئهم الموت والحساب.

العودة إلى الذنوب

عن حكم العودة إلى الذنب مرة أخرى يقول د.عبدالفتاح العواري، العميد السابق لكلية أصول الدين بالأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية: الله سبحانه وتعالى يحب المسلم الصادق في وعده، القوي في إيمانه، ولذلك يكافئ عباده الصادقين الأقوياء في إيمانهم، فيقول: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلّا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون»؛ فالمتقون من عباد الله هم الذين إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار، فكل من يقترف ذنباً؛ عليه أن يثق في عطاء الله وعفوه ورحمته، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: «إن رجلاً أذنب ذنباً فقال اللهم اغفر لي ذنبي.. فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي، ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي – فذكر مثله مرتين، وفي آخره: اعمل ما شئت فقد غفرت لك».

وفي هذا الحديث دليل على صحة التوبة بعد معاودة الذنب؛ لأن التوبة الأولى طاعة، وقد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد وقوع الذنب الثاني إلى توبة جديدة، والعودة إلى الذنب وإن كانت أقبح من الذنب الأول إلا أن العودة إلى تكرار التوبة يؤكد أن داخل الإنسان عقل وقلب سليم، وقد دلّت الآية والحديث على عظيم فائدة الاعتراف بالذنب والاستغفار منه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم».

التوبة من المال الحرام

سألت د. على جمعة، مفتي مصر الأسبق عن كيفية تصرف المسلم في مال حرام قبل أن يتوب وهل يجوز أن يتصدق به.. فقال: الله سبحانه وتعالى نهى عباده عن أكل الحرام، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الله لا يقبل التصدق إلا بالمال الحلال، لأن الله طيب لا يقبل إلّا طيباً، وأن القليل من الحرام في بطن الإنسان أو على جسمه يمنع قبول الدعاء ويقوده في الآخرة إلى النار. والمال الحرام يجب التخلص منه عند التوبة، وذلك بردّه إلى صاحبه أو إلى ورثته إن عرفوا وإن أمن الفضيحة أو التعرض للعقاب عند رده، وإلّا وجب التصدق به تبرُّؤاً منه لا تبرعاً من أجل الأجر والثواب، ويجوز- استناداً لرأي بعض العلماء- توجيه المال الحرام إلى منفعة عامة للمسلمين إذا لم يعرف صاحبه

وعن سلوك بعض رجال الفتوى الذين يغلقون منافذ الرحمة وأبواب التوبة في وجه العصاة والمذنبين الذين يتطلعون إلى عفو الله ورحمته، فقال: لا يحق لأيّ فقيه أو داعية أن يضع شروطاً تعجيزية أمام المتطلعين إلى رحمة خالقهم، فالتشدد في موضوع التوبة تحديدا يدفع كثيراً من العصاة إلى الاستمرار على معاصيهم، وواجب دعاة الإسلام أن ييسروا لا يعسروا وأن يبشروا ولا ينفروا، فالتشدد هنا يدفع هؤلاء إلى الاستمرار على المعصية والتمادي فيها بدلاً من تشجيعهم على التوبة لكي يتخلصوا من ذنوبهم يوماً بيوم، ذلك أن الإنسان مجبول على المعصية وشياطين الجن والإنس التي تزين للإنسان المعاصي وتشجعه عليها موجودة في كل مكان وتحيط به من كل جانب، ورسول الله عليه وسلم يقول: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون». ورحمة الله وسعت كل شيء وهذه الرحمة وذاك العفو يفتحان للإنسان كل أبواب الأمل بالتوبة، والقرآن يخبرنا بهذه الحقيقة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف «الله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم…».

تأخير التوبة

عن موقف الشرع من الذين يستمرون على المعاصي طول حياتهم ويتطلعون إلى توبة قبل الرحيل من الدنيا فنجدهم يكثرون من عمل الخير ويذهبون للحج والعمرة يقول د.عبدالفتاح العواري: هؤلاء غافلون عن سنن الله في خلقه، وغافلون عن حقيقة التوبة، وما أدرى هؤلاء أنهم سيعيشون لساعة قادمة؛ فالموت يأتي بغتة ولا علاقة له بكبر سنّ أو مرض، وعلى هؤلاء أن يفيقوا من غفوتهم ويبادروا بالتوبة ولا يتركون المعاصي والآثام تتراكم عليهم فيهدرون الفرصة تلو الفرصة في التوبة والتخلص من الآثام والذنوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى